“صفحات الفيس بوك” ..تجمعات نسائية لا تخلو من المشاكل الاجتماعية

بغداد_ متابعة

حتى وهي تغسل الصحون أو الملابس، أو وهي تنجز أية مهمة من مهامها كربة منزل، يبقى فكرها معلقا بعدد من صفحات «الفيس بوك» المختصة بالمشاكل الاجتماعية كالحب والطلاق والصداقة والبحث عن عمل. وتتمنى (حبيبة حمودي) أو (أم هيبت) كما أسمت نفسها على «الفيس بوك» ألا تفارق تلك الصفحات لحظة واحدة، وتقول حبيبة حمودي التي لم تكمل الدراسة المتوسطة:”إنها صفحات مسلية فضلا عن أنها مفيدة جدا، وتشهد إقبالا واسعا، فكل منشور يحظى بمئات التعليقات الطريفة، وبعضها يصل الى مرحلة تحشيش لا يصدق”.
وتضيف التي  لم ترزق بطفل حتى الآن:”أعاني من مشكلة عدم إنجاب الأطفال، وقد وجدت في بعض هذه الصفحات مقترحات وحلولا، وهو ما عزز أملي وأنار ظلام حياتي، وقد تعرفت على هذه الصفحات عن طريق بعض صديقاتي، وأحببتها لأنها تتضمن مشاكل حقيقية تعاني منها النساء، والكلام بشأنها صادق وعفوي، وبقدر ما أشعر بالحزن لبعض الحالات، أضحك أحيانا حتى تتساقط الدموع من عيني بسبب بعض التعليقات”.

“من الناحية العلمية يمكن تفسير هذا السلوك بوجود حالة الكبت المستمر عند المرأة التي تتطلب منها التفريغ المستمر لتلك المكبوتات”.. بهذه العبارات استهلت الدكتورة أشواق عبد الحسن عبد – الأستاذة في علم الاجتماع/ فلسفة التشريعات الاجتماعية – حديثها موضحة أن “غياب القدرة على اتخاذ القرار المناسب والاتكالية على الآخر في كل ما يتعلق بمستقبل وحاضر الفرد عند المرأة يولد حالة من البحث عن الخيار الأقل ضرراً وتبعات سلبية عند طرح الموضوعات الخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي وبالتالي يتولد عجز دائم عن اتخاذ القرار الذي يتناسب مع الموقف المأزوم الذي تمر به المرأة. وذلك لأن المرأة تعودت أن تكون طرقها في التفكير أفقية تتناول مجموعة أشياء في آن واحد على عكس الرجل الذي لديه القدرة على التفكير بصورة عمودية أي من البساطة الى التعقيد، وذلك نتيجة غياب الخيارات الاجتماعية عند المرأة”.

في حين تنتقد  مها احمد ,عدم الانضباط في هذه الصفحات ما يجعلها شبيهة بـ(حمام النسوان)، وهو التعبير الشعبي الأكثر شيوعا لوصف سمة الثرثرة في النساء إذا ما اجتمعن في مكان واحد، حيث يختلط المفيد بغير المفيد والحكيم بالطائش، والجدي بالفكاهي، والعلمي بالخرافي، فقد ترى امرأة تظهر ارتفاع بطنها لأنها حامل وتطلب من الموجودات إبداء آرائهن إذا ما كان الحمل قد أثر في جمالها أم لا، ولكن مع إخفاء تفاصيل الوجه. وأخرى تطلب النصيحة في ما يمكن أن تقدمه للحبيب أو العشيق من أشياء تبقي على العلاقة متصلة ومستمرة، وتنشر أحيانا تعليقات وقحة فيها الكثير من الكلمات والعبارات المخالفة للذوق والآداب العامة، وعلى الرغم من أن هذه الصفحات تبدو نسائية إلا أنها لا تخلو من الرجال دائما.
وتشير عبد الحسن عبد الى نقطة جديرة بالاهتمام، وهي أن”حمام النسوان يعني الهرج والمرج والضوضاء والضجة بحيث يصعب عليك الوصول الى نتيجة معينة بأي قضية تطرح، فالكل ينادي والكل يبيع والكل يشتري، والحمام يمثل المنتدى الذي يتم فيه التباري لإظهار بعض تلك الصفات الخاصة بالمرأة أو النسوان ومنها كثرة الحديث والثرثرة، وعدم الانضباط في ما يتعلق بالحديث والسلوك والسياقات والآداب الخاصة بالثقافة الاجتماعية العامة والتي تتمثل بالستر وعدم التهتك او الانكشاف على الغير، وحفظ أسرار البيت، وعدم الاختلاط بالموصومات بوصمة اجتماعية سيئة، وعلى ما يظهر ان للحمام ثقافته الخاصة، إذ قد تظهر المرأة من جسدها ومن أسرارها الخاصة والبيتية كعلاقتها مع زوجها وتطلب النصح والإرشاد على الرغم من أن قضية الخلاف تكاد تكون شخصية ولها تماس مباشر باستقرار الأسرة، ما يمكن أن يعد غير مقبول ومرفوضا خارج إطار هذا الحمام”.
التربية الاجتماعية التي تركز على بعض السلوكيات الاجتماعية عند المرأة بحيث تجعل سلوكها متمايزا عن سلوك الرجل الذي يكتفي بالانطواء والتفكير مع الذات أو استشارة من يثق به من الأصدقاء في حال واجهته المشاكل. والمرأة على العكس من ذلك في حالة وجود مشكلة اجتماعية فهي تحاول أن تخبر أكبر قدر ممكن من المعارف والأصدقاء بغية إيجاد نوع من التفريغ لحالة الإحباط أو الانزعاج.
والملاحظ ان صفحات الفيس بوك مليئة بالأخطاء المنوعة، فهناك أخطاء إملائية، إذ إن الكثير ممن لهم صفحات على هذا الموقع لم يكملوا تحصيلهم الدراسي، بل وحتى بعض من أكملوا مراحل متقدمة من الدراسة يرتكبون أخطاء إملائية شنيعة، فضلا عن الأخطاء في قواعد اللغة، وعلاوة على ذلك فهناك أخطاء تاريخية ونصائح وإرشادات خاطئة، لاسيما تلك المتعلقة بالصحة العامة وما لها من عواقب وخيمة.
وتقول هدى احمد : إن “عدم إتقانها للغة العربية غالبا ما يحول بينها وبين كتابة الكثير من آرائها، إذ باتت تفكر ألف مرة قبل أن تكتب كلمة واحدة بعد أن تعرضت للسخرية والتهكم من قبل أحد الشباب سليطي اللسان”.

كما هناك صفحات عديدة أيضا تحمل عنوانا واحدا وهو “اعترافات”، يجد فيها الشغوفون بهذا العالم، فرصة للبوح بمشاعر ظلت تخالج صدورهم وأطلقوها كلمات عبر الأثير الافتراضي علهم يتحررون من ذلك العبء الذي بات يحاصر أنفسهم.
ولـ”اعترافات” صفحات متنوعة على “فيسبوك” وتحمل اسم “اعترافات سرية” أو “اعترافات اعترافات” أو “اعترافات وأسرار”، وتستقبل رسائل بوح من المشتركين، ومعظمهم يطلبون من مسؤولي الصفحات إخفاء هوية المرسل والسرية التامة.
قصص مختلفة تحمل بمجملها طعم المرارة من موقف ما مر بهؤلاء ولم يجرؤون على البوح به لأقرب الناس إليهم، أو مشكلة وقعوا فيها ويرجون الخلاص منها أو عوائق تقف بطريقهم، فوجدوا بـ”اعترافات” مساحات فضفضة حقيقية، وفرصة لسماع آراء تتعلق بموضعهم ما يخفف عليهم، أو قد يجدون حلا ما غاب عن فكرهم، أو يستهدون بخبرات ممن عايشوا التجربة ذاتها.
وعلى إحدى صفحات “اعترافات”، سردت إحدى الفتيات قصتها العاطفية، وبينت أن الحب من الخطوط الحمراء التي لا يجب أن يتجاوزها أحد، لكنها اعترفت على صفحة “فيسبوك” بقصة الحب مع ابن الجيران، إلا أنها تعرضت لمضايقات مستمرة من قبل شقيقها في ذهابها للمدرسة أو الخروج من المنزل، وكانت تدفع ثمن ذلك الحب.
معترف آخر كان يشكو من الملل والرتابة التي تخيم على حياته، وأكد أن ذلك مرده هو أنه يشعر بأنه فرد مهمش في عائلته، مشيرا إلى أنه من شدة الملل يقوم بشد “غطاءات الحوافظ” في المطبخ بشكل جيد، كي تنادي أمه وأخواته عليه ويساعدهم على فتحها كي يشعر بلحظة من الإنجاز.
أحد المشتركين في تلك الصفحات ويبلغ من العمر 37 عاما، يقر بأنه حتى هذه اللحظة لا يعرف ما يريد، ويعيش حالة الملل والخوف من هذه الحياة، ويحتار كثيرا عندما يواجهه موقف صعب، ومن أهم المشكلات التي يواجهها غلاء المهور، الذي يجعل الكثيرين يطلقون عليه لقب “عازف عن الزواج” وهذا يشعره بمزيد من المرارة.
ويبدي استغرابه من الأهالي الذين يطلبون مهورا مرتفعة عند تزويج بناتهم، ولا يتنازلون عن الشقة والذهب والسيارة والعرس المكلف، وكأن العريس “مصباح سحري” يحقق أماني العائلة أجمع.
اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع، يبين أن ما يحدث اليوم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ما هو إلا تطور لما كان يحدث على الصحيفة الورقية بمواضيعها المختلفة فكانت هناك صفحة للقراء، وأخرى للمشكلات والحلول أو تحت عنوان أريد شريكا.
وطورت وسائل التواصل الاجتماعي ذلك وباتت بهذه الجاذبية للمستخدمين، بسبب الراحة التي تعطيها للمستخدم، كتغيير الهوية أو الحديث عن الذات والتعبير عن واقعه وأفكاره من دون أي رقيب.

مقالات ذات صله