“صادق باخان” .. أزمة المثقف في حنينه إلى وطنه القديم !

بغداد_ متابعة

“صادق باخان” كاتب ومترجم عراقي.. ولد في بغداد عام 1949، وأتم دراسته  فيها، وحصل على درجة الماجستير عن طريق “المعهد الثقافي البريطاني” في الخارج، نشر العديد من المقالات في الأدب والثقافة والسياسة.. فصل من التدريس في 1979، لكونه كردياَ وقد رفض الانتماء إلى “حزب البعث”، واختار السفر إلى الخارج وعاد في 1991.. رحل منذ أيام قليلة مخلفاً رصيداً من المقالات والمترجمات القيمة.

يقول “صادق باخان” عن فترة الستينيات والسبعينيات في العراق: “كنت في مدرسة الفلاح الإبتدائية في (تل محمد) مميزاَ في اللغة الإنكليزية لأنني تعلمت اللّغة في كنيسة للآشوريين، وأول فتاة أحببتها كانت آشورية لكنها سافرت لأميركا، وللملاطفة قال صديقي الشاعر(سركون بولص): لماذا لا تصبح آشورياَ ؟.. فأنت تجيد اللغة الآشورية وتعرف كل الطقوس والعادات الخاصة بالآشوريين. و(سركون) من الناس الذين لهم مكانه اجتماعية في المجتمع البغدادي، ثم انتقل إلى كركوك وبعدها غادر هرباَ من العراق بسبب تخلفه عن الخدمة العسكرية، وكانت بغداد مدينة التآخي والمودة والاحترام والذوق، وكانت العائلات العراقية تدخل إلى دور السينما بكل تهذيب وأناقة ومع الأسف غاب اليوم هذا المشهد الرائع وتهدمت السينمات، وكتب صديقي الراحل (سركون بولص) قصيدة أسماها: (هل صحيح هدموا دار سينما السندباد). وكان الناس أخوة وتربطهم علاقات وثيقة، وكان العربي يتزوج من كردية والكردي يتزوج من عربية، وأنا أناشد من يهمه الأمر أن يسعى جاهداَ لإعادة النسيج الاجتماعي، كما كان في السابق. فإذا كنت تريد أن تبني مجتمعاَ ناجحاَ عليك أن تعيد بناء العلاقات الاجتماعية مع الحرص على التخفيف من الصراعات الطبقية، وذلك بالعمل على ردم الفجوة بين الطبقات والتأكيد على نشر الثقافة والتعليم وتخصيص موارد مالية للقضاء على الأمية، فكيف نستطيع أن نتّطور وفي بغداد أعداد هائلة من الأميين ؟.. وكيف نستطيع أن تبني مؤسسات دولة مدنية وأنت لديك كل هذا الخراب ؟.. فعلى المعنيين أن يتولوا دراسة التجارب العظيمة التي حققتها شعوب لا تمتلك ربع الثروات التي يتمتع بها العراق، وعلى سبيل المثال فليذهبوا ويدرسوا تجربة (ماليزيا) التي لا تمتلك عشر ما نمتلكه من ثروات طبيعية هائلة وشعب مبدع في شتى المجالات، والحقيقة التي يجب أن تقال؛ الرجال العظماء هم الذين يصنعون التاريخ ولا يصنعه الدهماء ولا الغوغاء، والعراق مؤهل ليصبح دولة محورية في المنطقة العربية لما يتمتع به من تاريخ عظيم حافل بالإنجازات الفكرية، وعلى الحكومة العراقية أن تعمل بصورة جديّة على أن تحرر من الاقتصاد الريعي وعدم الاعتماد على النفط وحده، وتنويع مصادر الدخل من خلال إقامة المشاريع الصناعية الإستراتيجية وإعادة أعمار. وبناء البنى التحتية التي حطمتها الحروب”.

عن الكتابة يقول “صادق باخان”: “لا أكتب المقال الذي في رأسي على الورق ما لم أطبخه على نار هادئة حتى تأتي الوجبة لذيذة وطيبة وشهية، فالكتابة قضية مقدسة وفيها مسؤولية عظيمة، ودائماَ اتسائل بتعجب كيف يسمح هؤلاء لأنفسهم أن يكتبوا بهذه السهولة والعجالة ؟.. وهذه حكاية فيها الكثير من العبرة والحكمة والفائدة، الروائي المعروف (جيمس غويس) ذات يوم ذهب صديق بزيارته في المساء فوجده جالساَ متأملاَ فسأله صديقه هل كنت تكتب ؟.. نعم كنت أكتب، فقال له الصديق لابد أنك كتبت الكثير ؟.. أجل كتبت جملتين، وكنت أرغب أن أكتب جملتين لم يسبقني أحداً إليها وهذا قمة الحرص والإحساس والمسؤولية، وفيما يخصني أنا مقل في عالم الكتابة وأكثر كتاباتي تدور حول السياسة”.

 

عن المثقفين والتناقضات في سلوكهم يقول “صادق باخان”: “ومن واجب المثقف أن تتناغم ثقافته مع سلوكه، وكم أمقت الإزدواجية المقيتة في شخصية المثقف؛ ولا يحلو لي أن اسميه مثقفاَ ذلك المتسلط في داخل البيت وفي الخارج تراه مثل الحمل الوديع، واليوم أصبحنا مبتلين بمثقفين مشوهين تجدهم يتخذون من أنفسهم مسميات في غاية الفكاهة ويتيحون لك فرصة أن تضحك عليهم وعلى مواقفهم غير المنسجمة مع ثقافتهم، فالثقافة بمنزلة الدين ترتقي بالإنسان وتهذب لسانه وتطهر يديه وقلبه وضميره، فالمثقف هو القديس الذي يحمل بيده فانوس الهداية في مجتمع مختنق بالقبح والخوف والجنون، نحن اليوم نعيش في زمن آخر وهذه فرصتنا الأخيرة لكي نبرهن على أننا نحب هذا الوطن العظيم وعلينا مسؤولية حمله فوق ظهورنا والسير به إلى آفاق التجد والإبداع والجمال، أكرر هذه فرصتنا الأخيرة ولا تأتي فرصة أخرى، أيها المثقفون استيقظوا من غفلتكم وألاّ ستأتيكم العواصف وتقتلع جذوركم”.

عن جيل الستينيات يقول “صادق باخان”: “الستينيات فترة الثورات العديدة التي جرت في العالم ومرحلة التحولات الوطنية في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، وقد أثرت هذه الحركات في السينما والمسرح والقصة والشعر والاجتماع، وقدم هذا الجيل الراقي إسهامات عظيمة وتجاوز الإنجازات التي قدمها السابقين، وأن هذا الجيل نال الكثير من النعت والسباب والشتائم لأسباب أيديولوجية، وكانت المعارك قائمة بين الماركسيين والشيوعيين والقوميين، وسمّت الكاتبة فاطمة المحسن هذا الجيل بـ(جيل الخيبة)، ونحن أبناء هذا الجيل كنا نولي الثقافة أهمية خاصة ونقرأ كل شي وكنا نعاني من جوع ثقافي، وكانت ثقافتنا متشعبة متنوعة غنية بالإبداع والأفكار الجديدة، وكنا نجيد القراءة بلغات أجنبية على سبيل المثال، أنا أجيد القراءة باللغة الإنكليزية والفرنسية، وأصدقائي (سركون بولص) و(فاضل العزاوي) و(جليل القيسي) يقرؤون ويكتبون بلغات أجنبية، ومن هذا المنظار نحن نرى أن الثقافة شرط جوهري لبناء الأوطان وبناء الإنسان من الناحية الروحية والذوقية، والثقافة مفتاح التقدم والإزدهار، وإن أردت أن تقيس مستوى تقدم أي بلد فنذهب إلى ثقافته”.

ويواصل: “كنت التقي بأصدقائي القدامى الذين عبثت بهم الأقدار، وهم: (سركون بولص)، (فاضل عباس هادي)، (إبراهيم زاير)، (عبد الوهاب داقوقي)، (فوزي كريم)، (عبد القادر الجنابي)، (زهير الجزائري)، (إسماعيل زاير)، (كوكب حمزة). وقد وجدت أخيراَ عدداَ من الأصدقاء لأعوض بهم إحساسي بالخسارة غداة وفاة زوجتي، لاسيما الصديقان (محمد خضير سلطان) و(عبد الكريم حسن مراد)، ولكني لا أميل أن أجعل من الصداقة أفقاَ للثرثرة، وإنما أسعى دائماً لتحويل المقهى إلى جامعة، ولهذا تراني أتولى تدريس بعض الأصدقاء الأدب الإنكليزي وأشجعهم على تعلم اللغات الأجنبية، هذا معناه أن المقهى كما كانت في السابق مكاناً للإبداع والصداقة والحرية والنبل والتعاون”.

رأيه في الجيل الحالي، يقول “صادق باخان”: “في جيل الشباب الحالي تجد العجب؛ وإذا سألت طالباَ في كلّية الآداب عن ما يقرأه فسوف تجده يتلفت يميناَ وشمالاَ حتى أنه لا يفرق بين (حافظ إبراهيم) و(حافظ شيرازي)، ولا يفرق بين (غائب طعمه فرمان) و(فؤاد التكرلي)، ولا يولي اهتماماً للثقافة ولا يقرأ كتاباَ في السنة الواحدة، وهنا أسأل كيف ندفع بالشاب أن يهتم بالقراءة ويطور ذائقته ؟.. هذه مسؤولية البيت أولاً ومسؤولية الجامعات ثانياَ, فلا بد أن تركز الجامعات العراقية بدفع الطلبة إلى الاهتمام بالثقافة بالإضافة إلى تطوير أساليب التدريس وتأهيل المدرسين وتعويد الطلبة المشاركة في المناقشة حتى لا يظل الطالب يستقبل المعلومات فقط بل مشاركاَ بإثارة الجدل حتى نستطيع أن نبني جيلاً يتمتع بالقوة والصبر والثقة، فالأوطان لا تبنى بالأميين وأصحاب الجهل؛ وإنما تبنى بالعلم والثقافة وبغير ذلك نكون خسرنا فرصة عظيمة للتقدم والتطور”.

مقالات ذات صله