شراء الأمن بالحرية

عبد الحميد الصائح

يقول جورج واشنطن أحد مؤسسي الولايات المتحدة وأول رئيس لها “إذا ساوم شعب بين الأمن والحرية، فهو لايستحقهما معاً”.

حكمة مجربة تُصطدم بها فرنسا اليوم ومعها دول أوربية أخرى إثر الصدمة والرعب اللذين اجتاحاها بعد أحداث 13 نوفمبر الإرهابية وسقوط أكثر من 129 قتيلاً وضعف عددهم من الجرحى. الحكومة الفرنسية التي اعلنت العمل بقانون الطوارئ لايمكنها العمل به لأكثر من اثني عشر يوماً فقط  حسب الدستور، لذلك تحاول تمديده فترة طويلة عبر التصويت على ذلك في مجلس النواب وهو مايتطلب حملة ضغط وإيضاح لإقناع الفرنسيين بأن  اجراءات ضبط الأمن في البلاد لن تتم الا بتقييد بعض الحريات الأساسية في المجتمع الفرنسي. فرنسا، التي تعتبر الحرية فيها ثروة قومية تعرضها اليوم للبيع مقابل الأمن الذي اخترقه ستة ارهابيين وقبلهم ثلاثة!. تلجأ اليوم الى أسهل الحلول واكثرها سطحية في أحكام القبضة على حركة وحرية المتمردين من مواطنيها او الغائرين من مناطق الثار عليها، وهي الحصول على صلاحيات استثنائية “لمنع التجول كليا أو جزئيا، وتفتيش المنازل والاعتقال دون إذن قضائي، والرقابة على وسائل الإعلام ومنع التجمعات وإغلاق الملاهي ودور السينما، والحد من الحريات العامة ومنها التنقل، والرأي، كذلك إبعاد  الأشخاص الذين تعتبرهم مصدر تهديد للأمن والسلامة العامة من مناطق إقامتهم، وفرض الإقامة الجبرية في مناطق محددة، وطرد أجانب، ومصادرة الأسلحة بما فيها أسلحة الصيد، وتفويض القضاء العسكري ليحل محل القوانين المدنية للنظر في الجنح أو الجرائم ويكون قوة ردع بيد السلطات” كما نص على ذلك قانون الطوارئ الفرنسي الذي أقر قبل 50 عاماً في وقت حرب الجزائر 1955، وظل استخدامة نادراً ومحاصرا باثني عشر يوما فقط، حتى وإن كانت الكارثة بحجم جريمة شارلي ابدو او احداث 13 نوفمبر. المؤشرات جميعها لا تشير الى حصول الأغلبية المطلوبة للتمديد. اي انها تشير الى رفض الشعب الفرنسي منح حكومة طارئة في تاريخ فرنسا حصاد نضال وكفاح ابنائها من اجل الحرية، “الحرية.. العدل والمساواة حتى الموت “الشعار الذي رفعه ماكسميليان روبسبير ورفاقه. فرنسا التي تريد بيع الحرية بالأمن كما يبيع داعش حرائر الايزيدية في الرقة بالسلطة والمال والمتعة. نسيت الجزء الثاني من شعار ثوار فرنسا “العدل والمساواة”. الذي ظل ساريا حتى قلبه نابليون الى الحرية والنظام . ذلك كله على تناقضاته يشير الى ان فرنسا على مر تاريخها منشغله بالحرية وحجمها وتفسيرها والآن منشغلة بخطرها على الامن العام . مثلما تنشغل شعوب اخرى يوميا بدفن ضحايا الارهاب لنصف قرن ويزيد!. او تنشغل بتوفير الزاد والمأوى لأطفالها لقرن كامل، حيث تختصر الحرية بالتنفس الجسدي وبقاء المخلوق حياً تحت أي ظرف أنت فيه.

فما مصير هذه المواجهة – الجدل بين الحكومة والشعب في فرنسا اليوم؟. صحفيون ونشطاء أشاروا الى ان تمرير القانون في البرلمان – كما هو-  يعني ان الارهاب أنجز مهمته وثأر لكل مايراه إثماً فرنسياً سواء في الداخل من خلال موقف السلطة من الحجاب – مثالاً – أو تدخلها في سوريا وحملتها المزدوجه ضد النظام في سوريا وضد داعش الذي يحاربه في آن واحد. ليترك الحكومة الفرنسية تنتج أغلالاً لشعبها، بذريعة توفير الأمن. وتتحول فرنسا الى سوق فضائح دولية، يباع فيها “الأمن مقابل الحرية”. مما يعني  حسب جورج واشنطن ان الشعب الفرنسي لن يحظى بهما وربما – اذا ما مرر قانون الطوارئ بصيغته الحالية -لايستحقهما معا. ولا أظن أن إرث فرنسا الاخلاقي والثقافي يتحمل ذلك.

مقالات ذات صله