شخصيات تعيش التناقض ..بخيل في بيته.. كريم على غيره!

بغداد_ متابعة

تصف السيدة أم عامر زوجها بالشخصية المتناقضة، فتراه رجلا بخيلا في بيته، بينما هو كريم مع الناس، يصرف بسخاء على الآخرين بينما يبخل عليها وعلى أبنائها، رغم أنه المسؤول الأول والأقرب لهم.

تقول “وقعت في حيرة كبيرة عندما تزوجنا، لماذا يبخل في البيت ويظهر عكس ذلك أمام الناس، مما دفعني للاعتراض على سلوكياته هذه، ونجم جراءها مشاكل عدة كادت تصل للطلاق، وفي كل مرة يحاول تعديل طباعه هذه، لكن سرعان ما يعاود بالامتناع عن تلبية مطالبنا وحاجاتنا الضرورية”.

وتضيف “أصبت بكآبة كبيرة من بخل زوجي هذا، واشتكيت لوالدته، لكنها لم تأبه، بل وصفته بالحريص والمدبر لشؤون بيته، وبصراحة أخشى أن يصبح أبنائي في المستقبل كأبيهم، وعليه أوجههم دائما للكرم والسخاء فيما بينهم”.

“زوج بخيل في بيته.. كريم على غيره”.. مشكلة تواجه العديد من الزوجات ويعجزن أحيانا عن حلها، وتتساءل الزوجة حينها لماذا يكون الرجل “الزوج” بخيلا في بيته وعلى أفراد أسرته بينما يكون كريما على الآخرين من الأهل والأصدقاء.

وتشتكي السيدة أم رزاق من بخل زوجها أيضا، بقولها “لا يحضر لنا زوجي سوى الأساسيات، ويرفض أن يحضر لأبنائي أي كماليات، أو وسائل ترفيه، ولا نشتري الملابس إلا في الأعياد ومن أرخص المحلات، ويرفض تغيير أي شيء في المنزل، بحجة أنه ليس لديه مال، رغم أنه يعطي المال لعائلته بشكل مبالغ به، مع أن جميع أشقائه يمتلكون بيوتا أفضل وأفخم من بيتنا، وملابسهم وملابس أبنائهم من أفخم الماركات”.

وتضيف “ضاق بي الحال كثيرا، وعليه أصررت على العمل خارج المنزل، فأخذت أشتري كل ما أتمناه وما يتمناه أبنائي من حسابي، ولم يكن يعطيني أي مصروف، حتى عندما نذهب إلى المستشفى”، لافتة إلى أنها تدفع كل مصاريف العلاج، كما قامت بتجديد أثاث المنزل من راتبها، ورغم ذلك تشعر بغصة كبيرة بأن زوجها لا يولي اهتماما يذكر بتلبية احتياجاتنا، وينفق الكثير من المال خارج المنزل سواء على والدته وأشقائه أم أصدقائه.

وينتقد أبو سلمان شقيقه الأصغر بأنه “بخيل على أسرته بينما يكرم على الآخرين”، ويقول “أخي بخيل جدا في منزله، ولا أعلم السبب في ذلك، بينما مع أصدقائه، وأمام والدي يظهر عكس ذلك، وقد علمنا الأمر من زوجته عندما طفح بها الكيل واشتكت منه”.

يقول أبو سلمان “واجهت أخي بذلك، لكنه أنكر وبشدة، متذرعا بأن جميع الزوجات متذمرات، من الصعب إرضاؤهن”، مبينا أن أخاه يملك رصيدا كبيرا في البنك، لكنه لا يعلم أسرته بذلك حتى لا تطمع به.

ويبين اختصاصي علم النفس د. سعد محمود هادي، أن هذه الشخصية مضطربة لأنها تسقط ضعفها على الآخرين، وبالتالي تشتري اهتمام الناس فيها، وتحاول ايجاد مكان لذاتها، فيحاول أن يظهر بالكرم من خلال قيامه بالأفعال هذه، فهو يسعى لأن يكون له مكان بين الآخرين.

ويقول “تظهر شخصيته النرجسية في بيته بعدم الإنفاق على الأسرة وحتى السلوك بشكل غير لائق، رغم أن رسالة الآخرين ايجابية عنه، وبالحقيقة هذه الشخصية تمثيلية غير ثابتة غير حقيقية، ونرجسية لديها حالة من الإسقاط الداخلي نتيجة الإحساس بالضعف والنقص”. ويضيف أن الأسرة يكمن دورها بإعطائه إحساسا بأنه شيء مهم حتى يستطيعوا تجنب عدائيته، فهذه النوعية من الأشخاص قد تمارس العنف.

ويردف “هناك انعكاسات سلبية على الأبناء نتيجة إحساسهم بالظلم والقهر، ويؤثر على شخصيتهم وتكوينها، وسوف يسقطون حالة العنف على من حولهم لشعورهم بالدونية، وقد يكونوا سلبيين، ولذا هذه الشخصية بحاجة للمعالجة من هذا السلوك السلبي”.

ويستند استشاري علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديثه “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”، وهذا يؤكد أن الإنسان يجب أن يكون طيب الخلق كريما معطاء مع أهل بيته، وإن كان هنالك حث على إكرام الضيف ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وحسن التعامل مع الجميع، إلا أن أهل البيت والأسرة من زوجة وأبناء هم أولى الناس بذلك.

فلا يعقل أن يكون الشخص حسن التعامل خارج بيته وكريما مع الآخرين وأن لا يكون كذلك مع أهل بيته، وفق سرحان، إلا في حالات محدودة كأن يكون هنالك من هو بحاجة إلى مساعدة ضرورية تتعلق بالحياة أو باحتياج أساسي عند ذلك يمكن أن تقدم مساعدة هؤلاء على الأسرة على أن لا يكون ذلك في الأحوال.

ويضيف “لأن للزوجة وللأبناء حقا يجب أن يعطى حتى يكون الشخص قدوة حسنة لهؤلاء وأن يربيهم على عمل الخير، وعلى احترام الآخرين وعلى التصدق وفعل الخير

ورأى د.سعيد وهاس أنه لا يوجد تعدد في الشخصية الواحدة إلا في الحالات المرضية، فالتناقض هو في حقيقته سلوك فشخصية الإنسان واحدة عادة ماتحمل الكثير من التناقض في السلوك والتعامل مع الآخرين، موضحاً أنّ مايحمل الإنسان على أن يكون شخصا متناقضا في الحياة هو برمجته الفكرية لأحداث الحياة، فالتناقض أمر ليس عفوياً وليس أمراً اعتباطياً فلا يأتي من فراغ بل يأتي من جملة من الأهداف وهذه الأهداف هي ماتمثل برمجة الإنسان الفكرية للأحداث التي يعيشها فالشخصية واحدة يلونها بعدة ألوان حسب المواقف، وهذا يأتي من تفسيره لتلك المواقف وليس من المواقف نفسها، معتبراً ذلك من أخطر القضايا على الإطلاق، مؤكداً على أنّ السلوكيات توزع بين الناس فلا تخلو شخصية من التناقض، وهذا جزء من الطبيعة البشرية، فالتناقض سمة من سمات البشر، ولكن الاختلاف يأتي في درجة ذلك التناقض.

وأوضح أنّ التناقض سلوك غير طبيعي لكن لا أحد يستطيع الخروج عنه، والتخلص منه فالجميع لديه قدر من التناقض فالمثالية غير موجودة، مشيراً إلى الحالة التي على الشخص الذي يشعر بأنه على قدر كبير من التناقض الذي لابد أن يستشير المختصين في المجال النفسي تكمن في ذلك التناقض الذي يوصل الإنسان إلى درجة المعاناة؛ مصنفاً المراحل التي يتدرج فيها الشخص المتناقض والتي تبدأ من المرحلة التي ذكرها سابقا والتي تتمثل في أنه لايوجد شخصية ليس لديها تناقضا وإنما الاختلاف في الدرجة، ثانياً: التناقض هو يخدم أهدافاً فكرية للشخص وليس مرتبطاً بالأحداث الخارجية، ثالثاً: حينما يتفاقم التناقض ويتحول لمعاناة فلابد من الاستشارة النفسية، مشيراً إلى أنّ نسبة مايحمله المرء من ثقافة ومعرفة وكذلك طبيعة المناخ الاجتماعي الذي يحيط به له دور كبير في تحديد مقدار التناقض بداخل الشخصية، فالثوابت الاجتماعية متناقضة في الأصل وذلك على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة وبالتالي يجعل ذلك الأفراد يتلونون بحسب ذلك القدر من التناقض بحسب الظروف الاجتماعية وطريقة التربية، فكل شيء يحمل جزءاً من التناقض فحتى المناهج الدراسية هي في حقيقتها متناقضة، فالمعلم يتحدث عن المثالية، وهو يسيء التصرف فيتعلم التناقض منه الطالب، والطبيب يأمر بعدم التدخين وهو مدخن فيتعلم المريض منه التناقض، موضحاً أنّ الشخص الذي يحمل بداخله جزءاً من التناقض فإنه يسقط هذا التناقض على الآخرين، ولذلك فإنّ الشخص العقلاني هو من يستطيع أن يحد من عالم التناقض بداخله، فالشخص الذي يفكر بشكل عاطفي يكون في قمة التناقض في الحياة.

مقالات ذات صله