شباب يحلمون بجملة «صنع في العراق» المفقودة

يقال أن للبصل فوائده، وأن الطمامة هي “أم الأشياء” ناهيك عن دخولها في حياة العراقيين، وقصصها المشتركة مع البصل،.. لذا يتوقف دائماً مستقبل البلد على “سعر الطماطة” هذا قديماً.. في زمن “العانه والفلس” رحمهما الله وأسكنهما فسيح ذاكرتنا،.. أما اليوم فـ “هي السنيورة طماطه وهو الحاج بصل”.. ويبدو الأمر مبكيا حين يسمي “خضير البقال” الطماطة “ماريا” لأنها مستوردة ولامعة، ولايمكن التعامل معها الا بكل احترام، وعلى الطماطة العراقية أن “تلجأ الى المحاكم”.. لأن لامكان لها لا على موائد العراقيين، ولا في المطاعم الشعبية.. كذلك صار البصل “مارتن” .. فهو “أنيق ومحترم”.. وصار يأتي من “تركيا والأردن وإيران، والكويت ولابأس بالترحيب بعد سنوات بالبصل المكسيكي”..
المهم “يعيش الإستيراد ويسقط التصدير”.. ولابد للجميع أن يتقبل نتائج العولمة، والتمدن، ويشارك بمهرجان “التجارة العالمية”.. والعالم متعدد الطماطة.. رغم ضائقة الاقتصاد، وشح الميزانية وانحسار الموارد.. يظل الاستيراد مشرع الأبواب.. هكذا يقول “الدكتور طه”.. ويؤكد أن “مثل هذه الفوضى في التعاطي مع الاستيراد قد تنتج وهي أنتجت بالفعل تضخماً في البطالة، وكثرة التعويل على سوق الوظائف، وأزمة في الرواتب، وعجوزات كبرى في الميزانيات، سيما مع التعويل المفرط على النفط الذي بدأ يجر البلد الى السكون الإنتاجي” .. ويضيف “الدكتور طه” أن “هذا الأمر أنتج مساحات زراعية شاغرة، وأزمة بالتعاطي مع المصانع، وتغييب تام للصناعة المحلية، وهجرة الصناع، والأيدي العاملة الماهرة، وتهديم للبنية التحتية للصناعة العراقية” .. “كل هذا سيؤدي الى تنامي عجز الميزانية، وينتج مجتمعا موظفا، أو عاطلا، أو مهاجراً” .. وهذا مايحصل اليوم .. من الحدود العراقية لسوريا، أو الأردن أو إيران أو تركيا، بإستطاعتك أن ترى تلك المساحات المتصحرة الشاسعة والممتدة بلا خضرة، وبلا استثمار، وهو الأمر الذي يدفعك للتساؤل لماذا يحدث كل هذا؟.. لماذا لم نفكر بإحياء الهوية الزراعية للبلد، سيما أنه يمتلك نهرين، والعديد من البحيرات ووفرة في المياه الجوفية…؟
أطرح السؤال على الدكتور “نافع الشكرجي”… يقول “مرة قال لي خبير فرنسي أن ضفاف نهري دجلة والفرات لوحدهما كافيين لسد حاجة البلد من المنتجات الزراعية، إذا ما أحسن العراق استثمارها، وهو الأمر الذي حاولنا تفعيله مع جهات القرار آنذاك دون الوصول الى أفق ما، ثم حدث بعد الاحتلال ومن ثم قيام الحكومة العراقية الجديد بعد 2003 أن أحييت المبادرة الزراعية، وهي إطلاق كبير لدفوعات الإعانة للفلاحين من أجل إحياء الزراعة في العراق، لكن الفساد وفوضوية تعاطي الدوائر المعنية، وفسادها أدى الى قتل هذه المبادرة، سيما أن الكثير من المزارعين الذين استلموا مبالغ كبيرة من أجل تنمية أراضيهم هربوا بعد دخول داعش الى محافظاته ، وهذا الأمر يخص المحافظات الغربية، كالموصل وتكريت والأنبار وديالى، أما فيما يخص الوسط والجنوب العراقي، فالأمر مايزال غريبا، إذ لم نشهد تنمية حقيقية في المنتوج الزراعي ، ولم نشهد زيادة في الوفرة ، بل أن المؤشرات الحقيقية لم تتغير حتى الآن ” .. “أبو أسعد الماجدي” يقول “هذا غير صحيح، ويعتقد.. أن وفرة المستورد من المنتوجات الزراعية، جعلت الفلاح يتراجع باتجاه استثمار الأموال في مجالات أخرى، بعدما جرب أن يزرع لأكثر من مرة وانتهى الأمر الى الخسارة، أو عدم الربح في أفضل الأحوال” المنتوج الزراعي الأجنبي منتوج رخيص الى حد ما ولايتحمل الفلاح في الخارج مانتحمله هنا، سيما في مجال سوق الحبوب والتقاوي، والأسمدة، والنقل، والحديد والنايلون، الذي يحتاجه المزارعون في الأراضي الصحراوية، يضاف الى كل هذا تعدد الحلقات في عملية التسويق والتي تفتت الأرباح وتؤدي بالنتيجة الى النيل من الفلاح، الذي يخرج بالنهاية خاسرا من المعادلة” .. “يؤكد أبو أسعد.. أننا طالبنا لأكثر من مرة الحكومة العراقية بايقاف الاستيراد، والاعتماد على الفلاح العراقي، وتوفير جزء من المواد الزراعية، ليتسنى لنا العمل والربح، وتأسيس زراعة في العراق، لكن لا أحد أنتبه الى ما نقول وظلت الجدود مفتوحة أمام المنتوج الزراعي الأجنبي الأمر الذي أدى الى هذا التصحر، والى تغيير أكثر من 50% من الفلاحين لمهنتهم، وهي خسارة كبيرة، لن تستطع الدولة أن تتحملها فيما أذا أرادت أن تعيد النظر في خطتها مستقبلا”.
“راهي محسن.. صاحب علوة مخضر في الحلة” .. يقول “لا ألوم الفلاح بصراحة ، السماسرة والمنتوج الأجنبي هم من يحارب الفلاح العراقي ، أضافة الى قلة جودة المنتوج أحيانا بحكم عدم الاهتمام، وقلة الموارد التي تدفع الفلاح الى استخدام أفضل الطرق للوصول الى منتوج متميز.. البضاعة الأجنبية أسهل بالتسويق، وأوفر لنا، وأكره أن أقول لك أن الطلب عليها أكثر، لكنه الواقع الذي لابد أن نقوله، مايزال هناك منتوج زراعي عراقي، ومازال البعض يعمل ويحاول أن يبقى مسيطر على أموره لكن هذا الأمر يحتاج الى دعم حقيقي.. علينا أن ندعم الفلاح الحقيقي لا الفلاح الفضائي”.
سألت مهندسا زراعيا “من هو الفلاح الفضائي” ضحك وقال “ثمة العديد من الفلاحيين الفضائيين والذين أستفادوا بالفعل من المبادرة الزراعية، واخترقوا لجان الرقابة والمتابعة، وحصدوا الأموال، في حين أن أكثر من 70% من الفلاحين الحقيقين لم يحصلوا على شي.. لأن ليس لديهم وسطات في الدوائر وليسوا قربين من أصحاب القرار”.
نيونات، أجهزة تبريد، تقاوي، عربات أطفال أقمشة، ملبوسات، هواء مستورد.. يا الهي.. أتساءل أين العراق إذن.. ؟
وهل يمكننا أن نجد منتوجا عراقيا… يقول لي “وليد الطائي”صاحب مبادرة” صنع في العراق” .. “هناك الكثير من المنتوجات العراقية التي ماتزال متقدمة في كل شيء، لكنها تحتاج الى أصواتكم.. لنجعل من جملة صنع في العراق حقيقة لابد لنا أن نرفع الصوت بالاحتجاج والمطالبة بدعم القطاع الصناعي والزراعي العراقي.. لأنه أمل العراق الحقيقي”.

مقالات ذات صله