سينما الكذب… من حروب الدعاية إلى تفكيك المجتمع

بغداد _ متابعة

يضع نيتشه الكذب في خانة بين عدم التصديق والرعب. وكلما كان الكذب أكثر إتقانا كما في السينما، يمكن أن يذهب بعيدا من دون أمل في العودة. الكذب والسينما مثل كرة الثلج كلما دارت أكثر وتم الترويج لها عادت أكثر قوة وإقناعا. السينما الأكثر كذبا هي الأكثر قسوة وهي التي تقال في صمت المشاهد والمناظر الموحية.

يمكن القول إن جمال السينما يكمن في الوهم وقدرتها على قلب الحقائق بشكل مختلف عما نراه يوميا، فالسينما لديها القدرة على اللعب بالزمن والانتقال بين الواقع وخلق رابطة عاطفية مع ما نشاهده، وهي بذلك واحدة من أكثر المظاهر المثيرة للاهتمام في تعبيراتها المتنوعة. بالنسبة للبعض يعتبرونها وسيلة بسيطة من وسائل الترفيه، والبعض الآخر يراها تمثل شكلا من أشكال الفن الذي يعبر عن العواطف وعن الأيديولوجيات وعن الحقائق والواقع.

يرى الفيلسوف السلوفاكي وعالم الاجتماع سلافوي جيجيك أن السينما وسيلة لتوضيح المفاهيم المحورية لنظريات مختلفة، وليس تطبيقها بشكل مباشر على الفلسفة أو التحليل النفسي، أو على الثقافة، وبدلا من ذلك، يلاحظ تسلسلا في المشاهد أو التفاصيل التي يمكن أن تحافظ على إمكانية التصور والمفاهيم لنظرية ما.

هل السينما هي الكاذبة أم الكذبة هم المخرجون ومؤلفو قصصها؟ وهل تستمر السينما بلا كذب وكيف ينظر للسينما الصادقة من مستويات مختلفة أولها المستوى الأخلاقي؟ وهل هناك فعلا سينما بريئة وخطاب سينمائي نقدي بريء؟ السينما والأخلاق مفهومان عصيان على الفهم والإحاطة بهما أولا لشساعة المفهومين، ولأن الأمر يتعلق بمجال إبداعي تنفتح فيه مخيلة المبدع السينمائي/السيناريست/المخرج/المونتاج، على قصص خيالية فوق الورق، يحولها إلى كيانات إبداعية. هل يتعلق الأمر هنا بالكذب أم فقط بحالات إبداعية تستدعي القفز على بعض الأشياء وتعويضها بأشياء أخرى عن طريق المزج والتركيب والرؤية الفنية والإخراجية؟

تطرح العلاقة بين السينما والتكنولوجيا أبعادا متعددة ومتداخلة داخل السينما تتمحور في سؤال أساسي عن مساهمة التقنية في عملية الفرجة السينمائية. فقد غدت التقنية السينما بشكل فعال، خصوصا في عمليات المونتاج والمؤثرات التي ولدت العديد من المشاهد في غاية الإبهار وبتكلفة قليلة وحيل تدع المشاهد في حيرة من أمره. نماذج من برامج المونتاج في نسخها المتعددة تخلق سؤالا محيرا لمتابعي الدور الكبير الذي يلعبه فن المونتاج في تغيير الكثير من المشاهد، خصوصا برنامج المونتاج «الشاشة الخضراء»/الكروما، التي غدت لوحدها عالما قائما في مدرسة السينما، وفي فن المونتاج السينمائي. العديد من نسخ الأفلام السوبرمانية وأفلام الفضاء والعنف، والعديد من المشاهد التي نعتقد أنها مستحيلة وصعبة، كلها مصورة بهذه التقنية ومعدة ببرامج المونتاج المبتكرة داخل الاستوديوهات، ما يطرح علاقة التقنية بالكذب وكيف تغير الكثير من الوقائع .

صورت السينما الأمريكية الحروب والمعارك الطاحنة في العديد من أفلامها، كمشاركة جنودها في الحرب الأهلية الأمريكية أو الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو في حربها الباردة في فيتنام، أفغانستان، العراق وسوريا.
ألم تكذب السينما الأمريكية وهي تصور واقعا آخر لا يمت للواقع الفيتنامي بصلة، كما باقي الحالات في الحرب الأفغانية أو العراقية؟ لم عمدت السينما الأمريكية إلى فبركة واقع آخر وصور عن العراق وفيتنام وأفغانستان، مستعينة بنجوم من الصف الأول ومخرجين لهم تجربة طويلة بقصص إنسانية في تمرير خطابات سياسية دعائية وتشهيرية، لا تخلو من نفحة تجارية في قوالب إبداعية مقولبة، مشحونة بالعنف والدماء والتباكي واستدراج العواطف؟
في المنجز السينمائي في هذه الحروب كانت السينما هي التعبير المحبذ لإيصال خطاب سياسي قائم على الصراع في العلاقات الدولية، وفي أوج الحرب الباردة وتبرير القصف والقتل والتشريد التي تتعرض له العائلات، ودعم المقولات الرأسمالية في الحرية والديمقراطية. تنقل هذه الصورة إلى السينما الشعاراتية التي تمجد سلطة سياسية قائمة بفعل ارتباط المصالح. المتن السينمائي الأمريكي عن أفغانستان يحيلنا إلى حجم الشعارات التي صاحبت خلق أسطورة «المجاهدين الأفغان»، في أفلام أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وبالضبط أفلام «روكي» و«رامبو» كأفلام مروج لها بدعائية كبرى، نجد أنفسنا عن استغلال السينما زورا وبهتانا في إرسال رسائل مباشرة ورسائل مشفرة، وقلب الحقائق وتقديم مغالطات كبرى عن حقيقة الصراع بين الاتحاد السوفييتي سابقا والولايات المتحدة الأمريكية، عن مناطق النفوذ والمصالح الاقتصادية. ولأن ذاكرة الكذب قصيرة، كما يقال، ستنقلب السينما 180 درجة ابتداء من أحداث 11 سبتمبر/أيلول في رسم صورة جديدة عن أفغانستان وباكستان، بأنها المكان الذي يعج بالدبابير وموطن الإرهاب والإرهابيين. يبدو الأفغاني وصوره في سينما بداية الثمانينيات، سواء كان طفلا أو امرأة أو رجلا أو قرية بأهلها في حالة وصال، وهم «يناضلون « إلى جانب الجندي الأمريكي والطبيبة الأمريكية والمتعاطف الأمريكي، مع بؤسهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. بينما تبدو الصورة قاتمة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث ترى القرى المهجورة والنساء بالبرقع، خطرا محدقا وبأسا شديدا على الأمريكيين ومركباتهم ودبابتهم وخيمهم الطبية الإنسانية المتنقلة. من نصدق في الحكايتين؟ حكاية الكذب الأولى في صناعة أمريكا لطالبان في مواجهة الخطر السوفييتي؟ أم «جهاد « أمريكا في ضد مرتزقة طالبان. في ظل هذا الخط الزمني المشع بالكذب من بدايته إلى يومنا هذا، نطرح سؤالا كيف نتعلق بالصور؟ وكيف تنساق عواطفنا في تتبع مسارت سينمائية سمتها الأولى والأخيرة هي الكذب؟

 

مقالات ذات صله