سياحة في الأمكنة..حسن عجمي.. في ذمة الخلود..؟!

هكذا.. ومن دون اي سابق إنذار يغادرنا .. تغادرنا عفوا المقهى التي شهدت رموز الثقافة العراقية وشعراؤها الأفذاذ لم يتبق منها سوى تخوت متهرئة اكل الدهر عليها وشرب .. وقفل كبير يغلق بوابة النور. ومن جعجعة صوت حسين مردان الشاعر المتمرد وصاحب الارجوحة هادئة الحبال.. الى صمت رهيب يلف المكان.. ومن صخب الاستكانات ذات الطبقات المتعددة بيد القهواتي الذي احبه الشعراء والادباء. الى ان تصبح حسن عجمي مكانا ينسج فيه العنكبوت خيوطه على زوايا المكان.

شواخص العراق الثقافية وامكنة الشعراء الذين هزوا شباك الدنيا بقصائدهم اهملت بسبب ان المسؤولين عندنا لا يهتمون بهكذا امكنة .. اطبق على مقهى حسن عجمي بالأقفال.

اقفال الصمت.. بينما ما زالت قصائد حسين مردان العارية تتوضأ بنور الوجاغ الذي ما خمدت نار الفحم فيه الا بعد عام 2003 .

معادلة صعبة.. ان تحكي ولا احد يرد عليك..

شيخ بهندام نظيف استوقفته في عرض الشارع الرشيد وأومأت بيدي نحو المقهى:

استاذي .. هل تتذكر هذا المكان..

ابتسم بحياء.. ومن ثم قال:

وهل ينسى احد منا حسن عجمي.. المقهى الذي كان يرتاده ابرز الشعراء والأدباء والذي ينكر هذا او لا يعرف مقهى حسن عجمي (مو عراقي)

  • والإهمال الذي أصابها

يبدو يا عزيزي ان الحكومة والثقافة او الامكنة التي تحتضن مثقفينا لا يلتقيان وألا فما الضرر من القيام بحملة تنتشل هذا المعلم الثقافي وتعيد اليه رونقه.

صمت المكان يدمي القلب ويعيد الى الاذهان صورة الارهابيين الذين يكرهون الحياة والآثار والابتسامات وضحكات الاطفال.

ما الفرق بين تدمير الاثار في نينوى وبين اهمال الحكومة لهذه المعالم..؟

قال ذلك أحدهم رجل في العقد الخمسين وهو يصفق يدا على يد.

ويضيف: والله يا اخي كل هويتنا الوطنية العراقية مرتبطة بوجود هذه  الشواخص .. ومن المعيب ان تهمل بهذا الشكل فهي تاريخ وهوية.. وهي تقع في ابرز شوارعنا.. حتى الشارع لم يلتفت اليه أحد وحين جاءوا لتطويره راحوا يطلون اعمدته باللون الرصاصي.. مضحك هذا يا اخي! لماذا تموت الاماني العذبة في صدور العراقيين؟

لا لا نقول ان صدام كان افضل .. فهذا الطاغية الارعن كان قد طلى العراق بسخام مغامراته..

لكن السؤال يفرض نفسه:

ما الذي فعلناه من اجل ازالة سخام وركام الطاغية المخلوع.

لا شيء .. جواب قاطع

وليست مقهى حسن عجمي الا شاهدا واحدا على تردي ما كان يجب ان تعاد اليه يد التطوير والرونق والزهو بأننا بنينا وسنبني..!

تصوروا ومنذ اشهر علقت في رقبة تمثال محسن السعدون لفائف من خرق القماش ورغم ابلاغنا عن ذلك.. فلا عين رفت ولا قلب اهتز بالألم ..

وها هو السعدون التمثال في ساحة النصر يحمل على رقبته لفائف خيبتنا وإهمالنا للنصب والتماثيل..

لماذا نكره تاريخنا الوطني.. السنا صناع حضارة سومر واكد؟

السنا اصحاب الحضارة والإرث الانساني لسبعة الاف عام ممتدة في بحور الاهوار وبابل ..

امانة بغداد ما زالت مشلولة رغم اناا فرحنا ان سيدة فاضلة قد تنكبت مسؤولية ادارتها وستزيل عن وجه بغداد ما علق بها من بثور القمامة والازبال..

يالبغداد الازل .. بين الجد والهزل.

فرحتنا لم تدم بتولي ذكرى علوش امانة بغداد.

لان لا شيء كان افضل مما كان من نظافة شوارع وحمل اطنان الازبال من شوارعنا وازقتنا .. انا اتحدث عن مقهى وليس اي مقهى اتحدث عن ارشيف مخضرم من التداعيات والاستذكارات الحبيسة في هذا المكان.. كانت فيه خطوات الرموز الثقافية ..والادبية تملأ المكان وحددت من تكون بغداد العريقة.

هل من المعقول ان الحكومة تكره الثقافة الى هذا الحد ..؟

يا الله .. لا اجد جوابا شافيا يلقم فمي بحجر.

دلالات المكان .. تعني الكثير في مفردات التطوير الذي ننشده.

قال لي بحسرة:

لولا مقهى الشابندر .. لضاع جميع المثقفين ولكن هذا لا يكفي ..ويؤكد وهو يمسكني من كتفي ” صدقني ان التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه العراق بالتأكيد ينسحب على المجالات الثقافية وعلى الامكنة التراثية والفولكلورية وفي الاخير على نفسية المواطن.

معادلة لا تقبل الدحض والافتراء بقدر ما تحترم رموز المكان والإنسان بقدر ما انت فعلا حريص وتحب وطنك.

قلبي على وطني.. عبارة يرددها المواطن اينما كان واينما تلتقي به . وفي اي مكان ..؟!

السياحة معطلة ..

الثقافة عرجاء..

النسيج الاجتماعي خراب في خراب..

لا تتذرعوا بالسفلة من مجرمي داعش.. نعم قد يكونون هم السبب .. ولكن ليسوا هم كل الاسباب ..

عندك الجنوب كان وما يزال ينعم بالأمان والاستقرار.

ماذا اسسنا وأنجزنا فيه .. لا شيء ؟!

هل في الجنوب داعش لا .. اذن لماذا لم تمتد يد التطوير لأهلنا الذين عاشوا عقودا من الظلم والتهميش في زمن الطاغية صدام.. وما زالوا هم المستضعفين ابدا في العراق.

اسئلة .. وأسئلة سنظل نرددها ولكن من دون جواب.

وبلا حرقة قلب من الحكومة..

اغيثوا بلادنا التي تتهدم وتسرق وتسرح في شوارعها الكلاب الضالة.

مقالات ذات صله