سعف النخيل موروث عراقي يقاوم زحف المعدات الصناعية

متابعة
ظلت صناعات جريد النخيل مؤشرا على نشاط ارتبط بالحضارات العراقية القديمة. ولا يزال الحرفيون، ورثة تلك الصناعات، يتوزعون على مناطق عراقية عدة تشتهر بكثافة بساتين النخيل. لكنهم اليوم يواجهون تدفقا كبيرا لمعدات وأنواع من أثاث صناعي رخيصة وعملية، ما يجعل صناعتهم الممتدة الى آلاف السنين تواجه خطر الإقراض، كما يحذر حرفيون في كربلاء عرفوا بمهارتهم في صناعات الجريد.
ويقول الحاج عبد الحر، 53 سنة، وهو من صانعي منتجات الجريد في كربلاء إن “أعواد سعف النخيل، الجريد، يستخدم في صناعة الأثاث كالكراسي والأسرّة بمختلف أنواعها وإحجامها، فضلا عن استخدامه في صناعات اسيجة المزارع، وأقفاص تعبئة الخضار والفواكه ونقل الدواجن”.
ويضيف عبد الحر إن “الجريد قديما كان يشكل مادة أساسية لصناعات العديد من الأشياء التي تدخل في صلب حاجات الناس، خصوصا وأن استخدام الأخشاب والمعادن ثم البلاستيك لم يكن واسعا إلى الحد الذي نراه اليوم”.
ويوضح عبد الحر إن”أثاث البيوت والمقاهي من مقاعد أحادية وجماعية، كان يصنع من الجريد، ويغطى بالإسفنج أو بقطع القماش السميك ليصبح مريحا أكثر”، لافتا الى أن “الجريد يوفر لمزارعي الفواكه والخضار وباعتها أقفاصا تنقل بها منتجاتهم، كما توفر لمربي الدواجن وباعتها أقفاصا مماثلة لنقل الدجاج والطيور”.
وتمر صناعة الجريد، التي عادة ما تتم قرب بساتين النخيل، بمراحل عدة، تبدأ بقطف سعف النخيل المناسب، ومن ثم تقشيره، وتجميعه ليكون جاهزا للتقطيع حسب الحاجة، كما يقول صانع الجريد سلام حسين، 49 سنة، مضيفا إن “مراحل تفصيلية أخرى تختلف باختلاف المادة المراد صناعتها، تلي مرحلة جمع السعف وتقطيعه، لكن الخطوة المشتركة بين جميع مراحل العمل، هي تثقيب قطع الجريد وتقطيعها وإدخال بعضها ببعض كي تنتج الشكل المراد صناعته”.
وتستخدم في صناعة الجريد العديد من الآلات البسيطة أبرزها “المجوب أو المثقاب”، وهو يصنع في قضاء طويريج التابع لمحافظة كربلاء، وفي محافظة ديالى. كما تستخدم آلة أخرى شبيهة بالمنجل لغرض تقشير الجريد وتقطيعه، ويستخدم الساطور أيضا في تقطيع الجريد وإتمام ما تتطلبه الصنعة”.
صنّاع الجريد ليسوا بالضرورة مسؤولين عن كل خطوات العمل، بل يقسمون العمل فيما بينهم فيقوم كل منهم بمرحلة مكملة للأخرى، لكنهم جميعا يؤكدون على أن منتجاتهم أفضل من التي تصنع من المعادن وحتى الأخشاب.
ويقول أبو مصطفى، 34 سنة، إن “أسرّة الحديد في جو العراق الحار تسخن بسرعة، خصوصا بالنسبة لأولئك الذين ينامون على أسطح بيوتهم، فيما الأسرة المصنوعة من الجريد تكون أبرد على جسم الإنسان، فمادتها قريبة من الخشب ولا تحتفظ بالحرارة طويلا”.
وينقل قدامى العاملين في صناعة الجريد أن “العرسان الجدد كانوا يقصدون محلات بيع منتجات جريد النخيل لشراء سرير يتسع لشخصين، أو كانوا يطلبونه بمواصفات خاصة ويوصون بإنجازه قبل الزفاف”، ويضيف أبو كوثر، 61 سنة، إن “بعض العرسان كان يطلب مع السرير عددا من الكراسي، وربما عددا من القنفات”، وهي الأرائك التي تتسع لأكثر من شخصين.
ويرى جعفر كريم، 49 سنة، أن “سوق الأثاث يزدهر بأنواع من البضائع المستوردة والمحلية، ولم يعد لصناعة الجريد زبائن كما قبل عشرات السنين، فالسوق اليوم مليئة بحاجات عصرية من مختلف الأنواع والأشكال، وهي تلائم التطور الذي حصل في حياة الناس، ولم يعد من المتصور، أن يضع أحدهم سريرا مصنوعا من سعف النخيل في منزل ذي طابقين بأرضية من السيراميك وواجهة من المرمر، وفيه مصابيح ملونة وشرفة واسعة”.
ويذهب أبو توفيق، 45 سنة، إلى أن “مهنة صناعة الجريد، عفا عليها الزمن، ولا يمكن التشبث بهذه المهنة بينما العالم يقطع أشواطا متسارعة في مجال الصناعة الحديثة”.
لكن بعض أصحاب هذه الصناعة، يؤكدون أن “الستار لم يسدل بعد على صناعتهم على الرغم من اجتياح البضائع الصناعية الحديثة وقطع الأثاث الفخم أسواق المدن العراقية”، كما يقول عبد الحر مؤكدا أن “صناعة الجريد لا تزال تلقى رواجا عند بعض أصحاب المهن الأخرى، وعند البراوية”.
ويقصد بـ”البراوية” أهل الريف أو مربي الأغنام الذين يتخذون من المناطق البرية سكنا لهم، حيث تبدو “أسرّة الجريد ملائمة لهم بشكل كبير، لأنها خفيفة الحمل وتناسب الطبيعة الوعرة التي يعيشون فيها”.
ويلفت أحد الصّناع الشباب وهو جليل سعود، 28 سنة، الى أن “صناعة الجريد في كربلاء، باتت تضيق يوما بعد آخر حالها حال الكثير من المهن الشعبية في عصر أصبح الصينيون فيه يصنعون بضائع لكل الأذواق ولكل المستويات المعيشية”.
أما زميله حيدر عودة، 34 سنة، فيعتقد أن “هذه المهنة لا تلائم أحلام، وهي شاقة ومتدنية الدخل ولا يساوي عائدها المادي حجم الجهد الذي يبذله فيها، ولكنها أفضل من لاشيء”.

مقالات ذات صله