“رحيل”||هدى جاسم

 

 أجد نفسي احيانا لم احسن التصرف بالدمع، واشعر انني افرطت في سكبها بمناسبة ومن غير مناسبة، فالحزن الذي يهبط علي بالمجان كما يهبط على آخرين كنهر جميل وعميق، يسكب اليوم على عتبات بيوتنا القديمة وعلى وجوه غادرتنا في زحمة الاحزان الكثيرة لتكتب في هذا النهر حكايات لن تجرفها السنوات ولن تمحوها الايام وما يجري فيها من احداث.

 الاصوات التي علقت في مجرى الدمع اراها تحمل اكبر الحكايات واكثرها وقعا على نفسي، تلك الحكاية التي اراها اليوم الوحيدة التي تستحق ان اذرف الدمع من اجلها، هي حكاية امهاتنا الراحلات.. حكاية  طولها اعمارنا ودقائقها ضحكاتها الشفيفة التي تسرق القلب وتكتب على اديم الشجر اسماءنا التي لن تجرفها امواج البحر، ولا تلغيها ذاكرات الايام.

 تجلت الآن عندي الرؤية واضحة جدا،  علينا تجاه الراحلات من الامهات، ان لا نوقف نهر الدمع وان نلبس الحداد على ما تبقى من اعمارنا دونهن ودون اصواتهن التي علت في الدار وملأت اركانه بالمحبة، تلك الراحلات زنابق الخير ورائحة الكاردينيا، كيف لنا ان نعيد حياتنا الى ما كانت عليها دون دقائق الصباح وايادي تحلق فوق رؤوسنا لتوقظ نومنا براحة اعتقدناها ابدية، هاهو الدمع يا ام (الخير) يا(يمة) يتوقف عند بابك علك ترحمين طفولتي مرة اخرى وتفتحين ابوابك امامي لأركض نحوك كطفلة علقت عند اقدامك مطالبة بيوم جديد يحمل الهدايا والحكايات.

 ها انا يايمة اعلن لك انني سارتدي الوان ثيابي لو تسللت يوما الى احلامي من جديد وسأطرق باب مدرستي لأكتب درسي الذي طالما تراجعت فيه وطلبت انت ان اتمه.

 ها انا يا(يمة) ارتب اوراقي وصوري معك واذرف الدمع على رحيلك وجمرة فراقك التي لم تنطفئ منذ سنوات ودائما احلم ان اطرق الباب الخشبي العتيق لتفتح لي يدك قلبا من محبة بضحكات ورثتها عنك، ها انا يا(يمة) ما زلت احلم كاطفال المدرسة بحقيبة وثياب بيض تعودت على ان ترتبيها بيديك لتخرج ببياض قلبك الصافي.

 ها انا يا (يمة) ارتب حتى قطرات دمعي لاذرفها فقط على رحيلك دون غيرك فانا دونك امرأة بلا هوية وطفلة بلا يد تقودها نحو بر الامان. ها انا يا(يمة) صغيرة دونك وكبيرة بذكراك، التحف الهواء البارد.. ابحث عن دفئك الذي لايموت حتى بعد رحيلك  يا (يمة).

مقالات ذات صله