رأي –حريته التي اشتراها … عبد الزهرة زكي

 

لم يكن (أ. س) جباناً، وما كان يخاف الحرب.

في السنة الرابعة لحرب الثمانينيات حان أوان خدمته الإلزامية، سيق إلى الجبهة كجندي مخابر في كتيبة دبابات. إنه عامل بدالة داخلية تنظم الاتصال السلكي داخل الكتيبة وخارجها مع بعض الوحدات المجاورة.

خلال أيام قليلة من وصوله إلى كتيبتنا في الشيب كان قد تعرف على الجميع، طبيعة عمله الاتصالي تسمح بهذا التعارف السريع، كما تسمح به طبيعته هو كشاب صغير مليء بالحيوية والمحبة، والمرح وخفة الدم والرغبة في المساعدة والتعاون.

أذكر أن الهاتف الأرضي في ملجئي القتالي كثيرا ما كان يفاجئني، وهو يرن في ساعة متأخرة من الليل، وكنت في كل مرة اتفاجأ بصوت من عائلتي يتحدث معي في ليل الوحشة والحرب ذاك. الخفارة الليلية لـ (أ. س) كانت مبعثا لسعادات صغيرة حقيقية في مكان وُجد من أجل التعاسة، وكانت هذه السعادات توزع بتكافؤ بين جميع الجنود الذين ظلوا يكنون حباً وتقديراً لـ (أ. س).

بعد عامين من الحياة في تلك الصحراء المحاصرة بين قيود العسكرية وتهديدات الحرب، بدأت مظاهر من حزن واحباط تظهر على سلوك وتصرفات (أ. س). بدأت روح المرح تتوارى وراء حجب ثقيلة من كآبة بات من الصعب عليه اخفاؤها.

لم ينقطع عن مساعدة الجنود، كان هذا ما يديم صلته بالآخرين، وإلا فإن حياته هناك جنحت إلى العزلة وعدم الاختلاط إلى الحد الذي يمكن فيه القول إن (أ. س) بات مجرد صوت على الهاتف بالنسبة للجميع، بالكاد يراه الآخرون الذين لا يعملون معه مباشرة. وكان أسوأ ما بلغه هو رفضه الذهاب بإجازته الدورية إلى عائلته، حين سألته عن السبب ردَّ علي: حينما أذهب هذه المرة إلى البيت فلن أعود منه أبداً إلى هنا، كافي سنتين دمار، اختنقت، أريد حريتي.

لكن في عصر يوم ربيعي كنت وبعض جنود خارج الملاجئ مستمتعين بهواء ذلك العصر، وبدا لنا أنه هواء أعذب مما كنا نحلم به بحيث استنهض حتى (أ. س) ليخرج من معتزله؛ كان سعيداً وضاحكاً حين حيّانا وهو يتمشى في المكان الذي توشّح بخضرة العشب وتتوّج بألق زهور برية صغيرة.

سررنا بـ (أ. س) أكثر من سرورنا بالربيع وبهوائه الذي ظل يسرح معه ذلك الجندي الصغير الذي كان من فرط سعادته يكاد يطير، لقد ظل ينأى عنا حتى توارى فجأة في عاصفةٍ من تراب وظلام وصراخ.

لم يكن جباناً، وما كان يخاف الحرب.

لقد أشترى (أ. س) حريته بثمن باهظ؛ لقد منحها ساقه التي ظلت هناك في حقل ألغام فيما أُخذ هو إلى وحدة الميدان الطبية.

ومنذ ذاك يحيا (أ. س) بساق واحدة تساعدها ساق أخرى هي الحرية التي اشتراها.

مقالات ذات صله