دولة كابوي / أحمد سعداوي

من الواضح أننا بعد 13 عاماً من النظام الديمقراطي البرلماني ما زلنا عند عتبة مشروع بناء دولة. فالدستور نفسه الذي هو القاعدة القانونية لبناء النظام السياسي في البلد ما زال مختلفاً عليه وما زال يحتوي فقرات مرحلية يفترض أن تحذف بعد زوال الحاجة إليها، وفقرات تم اقرار الدستور بشرط مراجعتها لاحقاً وتعديلها، كما طالبت كتلة التوافق السنيّة في وقتها.

ما زلنا بدون علم ونشيد وطني دائمين، وما زالت حزمة هائلة من القوانين الاساسية التي يفترض اقرارها استناداً الى الدستور، هي موضع خلاف وتنازع واخذ ورد. كما هو قانون الاحزاب وقانون النفط والغاز وغيرها.

واستناداً الى هذا الاساس الهش فإن الكثير من الفعاليات المؤسسية شابها الاضطراب وعدم الدقة والوضوح، كما هي الحال مع مناهج التربية والتعليم في المدارس، التي ترتبك في توصيف التاريخ، وما يجب تعليمه من هذا التاريخ وما يجب التغاضي عنه.

واستناداً الى هذا الاساس الهش فإن الثغرات الموجودة في مشروع بناء الدولة ساهمت في تمدد الفساد واستشرائه، الى الحد الذي دفع الكثيرين الى الوصف، وهم محقّون، بإن النظام السياسي كله يبدو وكأنه مصمم لإنتاج الفساد، وهو فساد محاصصي، يعلم به الجميع ويغض الجميع الطرف عنه لأنهم “في الهوا سوا” كما يقال.

مشروع الدولة، وهذا الهلام الرجراج الذي تعمل فيه القوى السياسية والاجتماعية، يبدو في ناتجه النهائي أنه يمنح الحرية بالعمل لمن يملك القوة ويملك السلاح، ويستطيع وضع السلاح على الطاولة للتفاوض مع الأطراف الأخرى، الماسكة للسلاح ايضاً، وهذا ما دفع معلقين غربيين، كما في مقالة في الواشنطن بوست قبل بضعة أشهر، الى وصف العراق بأنه “دولة خارج القانون”، فكل الصخب عن القانون وتطبيق القانون وسلطة القانون و”دولة القانون” لا يمثل شيئاً على أرض الواقع. وأبرز مصداق على ذلك أنه لو كان هناك قانون ودولة قانون فعلاً لما استطاعت عصابة من المقنّعين والمنقبين باسماء رمزية أن تستولي على ثاني أكبر مدن العراق وتأكل ثلث البلاد في ظرف يومين وتهجّر وتقتل سكاناً لم يغادروا مناطقهم هذه منذ بدء الخليقة.

في دولة الكاوبوي هذه يجري احباط أي محاولات لبناء سلطة دولة بشكل فعلي، فلا أحد من الاطراف القوية يريد أن يساهم في جعل الدولة أكبر واقوى منه، فهذا ضد مصالحه، ويجري تمييع اي اجراءات من هذا النوع، أو افراغها من محتواها الحقيقي، وجعلها مجرد غشاء خارجي لا يمثل الحقيقة الجارية على الارض.

وبرأيي البسيط أن مرجعية الاميركان كقوة احتلال رسمية كانت هي الناظمة لمشروع بناء الدولة الجديدة حتى جلاء القوات الاميركية عن الارض العراقية في أواخر عام 2011، لتنكشف بسرعة تناقضات النظام السياسي الذي بنوه والتي ظلت تستفحل وتكبر حتى انهار هذا النظام كله في حزيران 2014 مع دخول داعش وانهيار الجيش العراقي وحلول المتطوعين المدنيين كقوة بديلة عن القوات المسلحة الرسمية في الحرب ضد داعش.

اليوم نحن بلا نظام سياسي قوي ولا مؤسسات دولة حقيقية، ولا قوانين فاعلة، وهذا النظام بلا ذراع أمنية قوية، ولا خطة واضحة لاستعادة المبادرة من القوى العسكرية المحلية الطارئة والمؤقتة كما يفترض.

وللأسف من دون موقف جاد وحاسم من القوى السياسية نفسها، والقوى الاجتماعية خارج العملية السياسية، لمراجعة نقدية لحصيلة أكثر من عقد لمشروع بناء دولة، فإن هذا النظام السياسي المفكك وبالرؤية التي ينطلق منها نفسها، لن يستطيع جمع ورزم تلول النفايات الهائلة التي خلفها هذا النظام في حياتنا. ولن يستطيع الاصلاح، وسنبقى برحمة القوى الخارجية الاقليمية والدولية إن اتفقت أو اختلفت.

مقالات ذات صله