“دان براون” .. يحرك الثوابت في رواياته المليئة بالرموز والتشويق

بغداد_ متابعة

تتميز روايات “دان براون” بالتشويق والإثارة لكن أكثر ما يميزها أنها تثري ذهن القارئ بمعلومات قيمة عن التاريخ والأديان، والحياة في العالم القديم.. لكنها لا تكتفي بنقل المعلومة لقارئ سلبي، بل تنشط ذهن القارئ وحواسه ليسعى إلى مزيد من البحث والمعرفة.

ولد براون في حزيران/يونيو 1964 في “نيوهامشير” بأميريكا، تخرج من أكاديمية “إيكستر” عام 1982، ثم إلتحق بمعهد “امهيرست” وتخرج منه عام 1986 حاملاً شهادتين في الأدب الانكليزي والإسباني.

بعد التخرج اتجه براون إلى الموسيقى كعازف “بيانو” وكاتباً لكلمات الأغاني، وقام بعمل بعض الأغاني التي لم تلق نجاحاً، ثم عمل بالتعليم وفي 1996 استقال من مهنة التعليم وتفرغ للكتابة، وفي عام 1998 نشر روايته “الحصن الرقمي” وقام بعدها بنشر روايتين إلا أن رواياته الثلاث لم تلق رواجاً.. وحين أصدر روايته الرابعة “شيفرة دافنشي” أصبحت حسب قائمة “نيويورك تايمز” للكتب الأكثر مبيعاً في 2003، وبيع منها حتى 2006 (60.5) مليون نسخة.

 “رواية الرمز المفقود

ترجمة “زينة جابر إدريس”.. تكلمت عن “جماعة ماسونية” لها طقوس وأسرار، تحافظ على المعرفة الباطنية، تنكشف بعض منها بعد جريمة اختطاف لزعيمها “بيتر سولمون”.. بين فيها براون قيمة المعرفة التي حصلتها الحضارات القديمة لكنها حجبت عن العامة، واحتفظ بها بعض الكهان والقائمين على الأسرار حتى الوقت الحاضر، وأن هذه المعرفة يثبت العلم الحديث جديتها وقيمتها الكبيرة، مبيناً أهمية الشكل الهرمي الذي استمر من تلك الحضارات حتى وصل لأميركا وبلدان العالم المتقدمة في الوقت الحالي، وموضحاً أن البلدان الحديثة إنما قامت على أساس الحضارات القديمة وعلمها ومعرفتها.

“رواية ملائكة وشياطين

ترجمة “مركز التعريب”.. تتناول هذه الرواية أمر هام أيضاً وهو التقابل بين الدين والعلم.. تلك الازدواجية المراوغة، في رحلة حل جريمة تدور في “الفاتيكان” بروما، يقتل فيها عدد من البابوات، لنتبين أن بعض رجال الدين يعادون العلم لأنه يقلل من قيمة الإيمان أو يهز قدسيته، وكأن العلم يهدد مكانة الإله في نفوس العامة، رغم أن العلم هو من ينقذ البشرية من مخاطر كثيرة، ومن ناحية أخرى يوجد رجال دين يؤمنون بأهمية العلم للبشرية ويدعمونه.

معظم روايات “دان براون” بطلها عالم الرموز في جامعة هارفارد “روبرت لانغدون”، الذي يتورط في حل جريمة ثم يبدأ في حل الرمز حولها.. يصنفها بعض النقاد العالميين بأنها روايات إثارة، وروايات للجمهور وليست ضمن الأدب العالمي، لكنها في رأيي روايات هامة لأنها تثير القراء وتحثهم على البحث عن المعرفة بأنفسهم، فهي تحرك الثوابت، بأسلوب شيق ومثير وتتسم بالدقة العالية والتماسك في السرد بحيث يظل القارئ مشدوداً لها لآخر كلمة فيها كما ولا يمل من قراءتها مرات عديدة.

من روايته: “الحصن الرقمي (1998)، ملائكة وشياطين (2000)، حقيقة الخديعة (2001)، شفرة دا فينشي (2003) ، الرمز المفقود (2009)، الجحيم (2013)”.

يقول “دان براون” في احد الحوارات: “إنني أسافر دوماً إلى البلدان التي أكتب عنها، كي أكتب روايتي كان علي أن اكتشف بعض المتاحف والكنائس والأمكنة الأخرى، وقد سجلت الكثير من الملاحظات حول بعض اللوحات والطقوس والأسرار، كل هذه المواد تشكل مرجعاً رئيساً لكتابة روايتي”.

مؤكداً على أنه “لا بد من الدقة.. رواياتي تعالج موضوعات تاريخية قديمة ويجب أن أكون دقيقاً بالنسبة إلى قارئ حديث.. كل التفاصيل يجب أن تكون حقيقية.. فإذا بحث القارئ عن هذه الأمور يجب أن يجدها، أقوم عمداً بإنشاء هذا المزيج بين الواقع والخيال والتاريخ والأسطورة في رواياتي، ولا أعتبر نفسي مؤرخاً بل كاتباً يكتشف التاريخ “، موضحاً أنه يتعامل مع الكتابة بجدية وأنه يكتب بشكل يومي، يستيقظ في الرابعة صباحاً، ويظل يكتب ساعات الظهر.

وفقاً لتقييم مجلة اميركية، اعتبر واحداً من أهم مائة شخصية مؤثرة في العالم إلا أنه مع ذلك شخص خجول، لا يتحدث في وسائل الإعلام إلا نادراً.

جاء شغفه بالكتابة بالصدفة أثناء قراءته لرواية “خديعة يوم القيامة” لسيدنى شيلدون، شعر وقتها بالرغبة في كتابة الروايات، وبدأ مع زوجته أستاذة تاريخ الفنون، في كتابة قصص هزلية عن علاقة الرجل بالمرأة باسم “دانيال براون” ثم كتب أولى رواياته “الحصن الرقمي” والتي صدرت عام 1998 وحققت نجاحاً متوسطاً، مقارنة بما حققه من نجاح بعد ذلك، ولكنه أدرك بعد كتابتها أن كتابة الروايات هي مهنته التي اختارها ليكمل بها حياته.

ومع كتابة روايته الأولى، تغيرت نظرته للعالم من حوله، وأصبح مدركاً أن لا شئ يحدث في العالم بشكل عشوائي.. فالرموز والعلامات موجودة في كل تفاصيل الحياة منذ بداية حياة الإنسان، وأصبحت رؤيته تلك مرتكزاً ومحوراً أساسياً في رواياته التالية، وازدادت جرأته في كشف أسرار الماضي ورموزه وعلاقاتها الخفية بالأحداث الحالية.

فقد سعى لإعادة إحياء منظمات وجماعات طواها التاريخ، ضمن أحداث متشابكة ومعقدة لكنها متماسكة من خياله، وفى 2000 صدرت رواية “ملائكة وشياطين” وشهدت أول ظهور لشخصية “روبرت لانغدون” أستاذ الرموز التاريخية، بعدها بعام أصدر رواية “نقطة الخديعة” ولم تحقق أيضاً نجاحاً كبيراً، بسبب الكساد في سوق النشر بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، في أميركا، مما دفعه إلى البحث خلال عام كامل عن إمكانية نشر روايته “شفرة دافنشي” التي كان قد قارب على الانتهاء من كتابتها، وبالفعل تمكن من التعاقد مع دار نشر “دبل داي” وصدرت الرواية في 2003 ويصبح من مشاهير العالم.

ومنذ اليوم الأول لصدور الرواية بدأت كنائس العالم في التنديد بها، بل تنشر كتباً لتكذيب ادعاءات براون، واعتبرته الكنيسة معاد للمسيحية، ومنعت بعض الدول دخول الرواية لأراضيها أو عرضها في المكتبات، ودعت الكنيسة المسيحيين في جميع أنحاء العالم لمقاطعة الرواية والكاتب، وكان يتم إدخالها لبعض البلدان بطرق غير شرعية، وربما تكون معاداة رجال الدين له سبب رئيس في اشتعال جذوة شهرته سريعاً.

مقالات ذات صله