خطابات ما بعد الموت … أدباء عراقيون وقعوا تحت جحيم داعش

بغداد_ متابعة

بعد كل حرب، تتغير خطابات المثقفين وأساليب كتاباتهم، تبعاً للوضع السياسي والأمني والاقتصادي، لكن غالباً ما تبرز أشكال الخطابات الجديدة بعد سنوات ليست قليلة من هذه الحروب، فالجميع في السنوات التي تلي تلك الحروب يكونون تحت صدمة ما حدث.. غير أن الحروب التي مرّت على المدن العراقية لا تعطي مجالاً للتفكير ولا للتأمل، فمنذ عام 1980 مروراً بعام 1990 وصولاً إلى عام 2003 وحتى هذه اللحظة لم يخرج المواطن العراقي؛ ولا المثقف، من الصدمة، وكأنها ضربات متتالية لا تريد أن تنتهي في يوم ما.

غير أن ما حدث بعد شهر يونيو/حزيران من عام 2014 كان مختلفاً عن كل الحروب التي مرّت على العراق منذ أكثر من 40 عاماً، فوقوع أكثر من ثلث البلد تحت وطأة ما عرف بـ”داعش” غيّر الكثير من نظرة المثقف للحرب، وكيفية مواجهتها أو التكيف معها، مدن مدمرة رجع بها الزمن لأكثر من ألف واربعمئة عام، ليس من السهل أن تعود مرّة أخرى كما كانت خلال مدة قصيرة.. فكيف سيكون عليه الأدب والخطاب الأدبي ما بعد انهيار «داعش»، خصوصاً في المناطق التي وقعت تحت سيطرته لسنوات؟

يشير الكاتب عمار المرواتي؛ من مدينة الموصل، إلى أن ملامح الخطاب الأدبي بدأت تتضح شيئاً فشيئاً، فهي تسير في محاور ثلاثة؛ الأول رثاء المدن، الثاني اليأس. الثالث وهو الأضعف الآن، نقد الحالة الحضارية برمتها، التي كان يعيش فيها الأديب، تلك التي هيأت لظهور «داعش»، ليس فقط الخطاب الديني الموروث غير المدروس غير الممحص، بل حتى القيم الاجتماعية المتوارثة والمقولات الجاهزة التي كان يرددها الفرد، بدون الوعي بأبعادها وتأثيراتها السلبية. موضحاً أن واحداً من أهم أسباب الانكسارات التي حصلت، بل الانهيارات الكبرى تلك، هو تقليدية الشكل الأدبي نفسه والنمطية المتوارثة، التي جعلت العقل ثابتاً ومستعداً لتقبل الخطاب المتشدد المتوارث على نحو أو آخر، وكانت المحاولات المتمردة على تلك الأشكال وعلى تلك النمطية وحيدة وشبه معزولة، بحيث لم تستطع القيام بالتغيير المطلوب، لأنها كانت منبوذة بحكم هيمنة الخطاب العام المؤسسيّ المطمئن الذي يقلقه التغيير. ويحسب المرواتي أن الخطاب الأدبي على نحو عام سيظل مدّة طويلة تحت تأثير الصدمة، محتمياً بالحد الأدنى من الأمان، وهو أمان الشكل الذي ائتلف معه، وأستطيع استعارة مقولة «أدب الحرب لا يكتب إلا بعد الحرب» لأن ما يكتب فيها هو أدب معركة! واليوم يكتب الأدباء أدب معركة، فاتضاح الرؤية بعد الحرب لا يتحقق إلا بعد انجلاء غبارها، واتضاح رؤية الأدباء والفنانين عامة في المدن المنكوبة، لن يتحقق إلا بعد رفع الأنقاض وإخراج الجثث، وعودة النازحين (مُهجَّرين ومهاجرين).

في حين يؤكد الشاعر نامق عبد ذيب؛ من مدينة الرمادي، على أن «داعش» مرحلة مريرة، وأكثر من أحس ويحس بمرارتها هو من اكتوى بشرورها ووحشيتها، وأشد هؤلاء هولاً هم الأدباء. فإذا كان الإنسان متهماً عند «داعش» بمجرد أن يحسَّ بإنسانيته، فالأدباء عند هذا التنظيم المجرم هم أول المتهمين، بل أول الضحايا، هم أعداء الكتابة والكتاب، وقد رأينا كيف أحرقوا المكتبات العامة والشخصية، ربما «داعش» أشد جرما من غوبلز، الذي كلما سمع بكلمة مثقف تحسس مسدسه، وهؤلاء كلما رأوا كتاباً أحرقوه وكلما رأوا أديباً قتلوه، ذلك أن الأدب صنو للحرية التي لا يفهمونها ولا يعرفونها، كذلك فإن محنة الأدباء في المناطق التي وقعت تحت سيطرتها كانت محنة كبيرة، فهم كانوا حذرين جداً من ظهور أسمائهم في صحيفة أو مجلة أو كتاب، فإن تنشر نصاً في صحيفة ستكون عندهم مستحقاً للذبح أو الحرق.

ويبين الناقد أسامة غانم؛ من مدينة الموصل، أن في جوهر السؤال نصف جوابه، عندما فرّق بين الذين كانوا تحت سيطرة «داعش» والذين خارج سيطرته، فالذين كانوا تحت سيطرته: شاهد، نظر، احتك، عانى، سمع.. بالإضافة إلى الخوف الدائم، والتوتر اليومي، والقلق المتسم باللاأمل، هذا سيشكل عند المثقفين في اللاوعي، نقطة سوداء يصعب تجاوزها، وسيرسم دوائر غير متصلة ببعضها، نتيجة ما مرّ به هؤلاء المثقفون.. لذا يعتقد غانم أن الخطاب سيكون محملاً بتوجهات متضمنة رد فعل قوي جداً ضد أي تطرف إسلامي، مهما كان ثوبه أو رداءه، أو لونه، أو ناشره من سياسيي الصدفة أو عملاء اللحظة… نعم، سيطرة «داعش» جعلت الجماهير تميز الكذب واللعب على الوتر الديني المذهبي من قبل الفاسدين الذين تصدروا المشاهد، وكشف حقيقتهم فقط في الفاسد والسرقة والقتل والتخريب، لأنه ليس لهم علاقة لا بالشعب ولا بالوطن، وعليه ستكون الكتابات: رصينة وعقلانية ومبتعدة عن التطرف بكل أشكاله وألوانه، ومحايدة، ومحبة للحياة، مع العمل في محاربة «داعش» وأخواته، والتطرف المذهبي، وهذا ما نعثر عليه في كتابات جاسم خلف الياس وشاكر سيفو ورعد فاضل وإبراهيم جنداري وغيرهم الكثير، وهي كتابات تتسم بعمق إنساني وبعد كوني، يرغب بالتعايش السلمي، والانفتاح على كل العالم، إذ إن «داعش» رغم كل مساوئه ولا إنسانيته وإجرامه عزز؛ بدون أن يدري، التلاحم الإنساني للجماهير التي كانت تحت مشنقته ونصل سيفه، مع كشف عورة الأحزاب الدينية ـ السياسية.

في حين يكشف الناقد أحمد حسين الظفيري؛ من مدينة سامراء، أنه ما زال كثير من الأدباء الذين عايشوا وجود «داعش» في مناطقهم تحت هول الصدمة… «اتصلت بي إحدى القاصات من محافظة صلاح الدين بمجرد خروجها من قضاء الشرقاط؛ قبل التحرير، قلت لها عليك أن تكتبي كل شيء، قالت: بل أريد أن أنسى كل شيء». مضيفاً: الخطاب بمحتواه الأدبي خطاب إبداعي، وأعتقد أن المسحة الأيديولوجية ستخف كثيراً، ولاسيما الدينية منها، فصراع الوجود أصبح حتمياً في المناطق التي سقطت بيد «داعش»، ولا أعتقد أنهم سيكتبون عن تجربتهم المريرة ومشاهداتهم قريباً، فما زالوا في محاولة التعافي من سطوة العنف التي اجتاحت مناطقهم، فضلاً عن أن التجربة- حسب رأيي- بحاجة لسنوات كي تتركز في العقل، ثم يخالطها الخيال، إذ إن تسجيل الوقائع بصورة واقعية بحتة لا يخدم الأدب بقدر ما يخدم الإعلام، وربما ستكون الفانتازيا المعبر الأهم عن واقعنا اليوم الذي يكاد يجتاز الخيال.

وبحسب الروائي حسين رحيم؛ من مدينة الموصل، فإنه لا شك أن المبدع من أبناء المدينة يعيش صدمة ما بعد الفاجعة، وهو بحاجة لإعادة رؤيته للواقع وأن بشكل مغاير عما كان يعيشه لذلك سيشهد الخطاب الأدبي شيئا من التغاير على مستوى الذات الإبداعية، سيشوب لغتها اليأس وكره الواقع ورفضه.. هذا على المدى القريب إذ سيكون النص قريباً من البكاء على الأطلال، لكن على المدى البعيد لن يكون هناك تغير كبير في مستوى الثورة على الخطاب الماقبل، لكن بشكل عام هناك أمل كبير في جيل جديد يكتب الآن بطريقة مغايرة، وهو من سيغير الخطاب الأدبي الخالي من شوائب الماضي.

ويختم الكاتب بهجت درسون رحو؛ من مدينة الموصل، الحديث قائلاً إن الأديب كما هو معروف يكتب عن ما يعرفه، وبالطبع ستؤثر الأحداث التي عاشها على ما كتبه وما سيكتبه، فهــــــنالك من يواكب الحدث ويكتب مع وقوع الحدث، كـــــما فعل بعض الأدباء أثناء الحروب، سواءً على مستوى العراق أو الوطن العربي أو العالم. وهنالك من ينتظر أن تمر الأحداث وبعد ذلك يكتب عن تلك المرحلة بتأنٍ.. وفي كل الأحوال يمكن القول بأن الأحداث الجسام والأحداث الكبيرة تؤثر على البنية الاجتماعية ويحاول الأديب أن ينقل تلك التأثيرات عبر كتاباته سواء أكان ذلك عبر الشعر أو القصة أو الرواية. و»أجزم بأن تغيرات كبيرة ستحدث في العراق عموماً والمناطق التي احتلت من قبل «داعش»، وهي على مستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وسيكون للأديب يد في نقل تلك المتغيرات عبر منجزه الإبداعي».

مقالات ذات صله