حين تستنجد الحكومة بـ”دفاترها القديمة” لتمويل عجز الموازنة

حمزة مصطفى

 على وفق القاعدة المعروفة “التاجر حين يفلس” يبحث في دفاتره القديمة، بدأت الحكومة التي فشلت في محاسبة من سمتهم هي لا سواها حيتان الفساد مرة ومافياتها مرة اخرى، البحث في الدفاتر القديمة لمواجهة العجز المتزايد في الميزانية بسبب الانهيار المستمر في أسعار النفط. ففي إطار ما تعلنه باستمرار ان الرواتب مؤمنة لهذا العام على أمل معاودة أسعار النفط  إرتفاعها في الربع الأخير من السنة وهو ما ينطبق عليه القول المأثور “امل اليهود في الأباعر” بدأت تتجه نحو عدوها اللدود صدام حسين لاغيره، هذا العدو الذي استنجدت بالأميركان للقضاء عليه عام 2003 ومن ثم تنكرت لهم ولـ “تضحياتهم”، البالغة حسب مصادرهم “الأميركان” الرسمية، نحو 5000 آلاف قتيل واكثر من 20 الف معاق ومعقد نفسيأ بعد أن حولتهم من “محررين” الى “محتلين””.

 فبالتزامن مع احتلال أميركا العراق أو تحريره، حسب مصطلح قوى المعارضة العراقية التي تسلمت السلطة على وقع سنابك الخيول الأميركية، فقد احتلت تلك القوى والأحزاب والشخصيات “التاريخية” قصور صدام حسين  كأماكن للسكن أو الإقامة لهم ولاحزابهم مع محاولات خجولة لشرعنة هذا الاحتلال لما يفترض إنه ملك الشعب لا ملك صدام ولا من جاؤوا بعده. كانت الشرعنة في الغالب هي المصادرة للعقارات والقصور من جهة بوصفها لصدام وأتباعه من كبار المسؤولين ومن ثم بدء عملية استئجار هذه القصور الفخمة بمبالغ مخجة في رمزيتها. وبالتالي وعبر فتاوى مشرعي هذه القوى والأحزاب ذات الانتماءات الإسلامية أصبحت الصلاة في هذه المنازل والقصور شرعية بعد أن كان ينظر اليها قبل دفع بدلات الإيجار التي لا تتناسب مع فخامتها على أنها مغتصبة.

 المفارقة الأكثر لفتاً للنظر انه في ظل وفورات مالية زادت على الترليون دولار “الف مليار دولار أميركي” طوال عشر سنوات نتيجة فائض أسعار النفط التي بلغت الـ 150 دولارا للبرميل الواحد، لم يتمكن المسؤولون الجدد من بناء ما يوازي هذه القصور ناهيك عن عدم بناء المشافي والمدارس فضلا عن الطرق والجسور وكل ما يتصل بالبنى التحتية للبلاد. كما لم يتم توظيف دولار واحد من هذه الالف مليار دولار في تحسين الزراعة والصناعة بل وحتى السياحة الدينية بما يؤمن موارد مالية تخفف من اعتماد الموازنة السنوية على إيرادات النفط بنسبة تزيد على الـ 95%. ليس هذا فقط فإن الفساد المالي والإداري الذي يجعلنا منذ نحو عقد من السنين في صدارة الدول الأكثر فسادا وفي ذيل قائمة  الشفافية الدولية أدى الى هدر كل ما يرد من أموال نفط، وهي اموال ضخمة جدا، بما يساعد في ايجاد خزين مالي يمكن ان يساعد في تمويل العجز وسد النفقات ولو لفترة من الزمن حتي يتم العمل على تنويع مصادر الدخل.

 لذلك فإن الإجراء الذي تريد الحكومة الإقدام عليه من خلال عرض عقارات الدولة، بما فيها قصور صدام حسين، الى البيع بالمزاد العلني لتمويل العجز بالموازنة إنما هو سلاح ذو ثلاثة حدود لا حدين. الحد الأول أن هذا الإجراء وفي ظل فشل الحكومة في الإسراع بعملية الإصلاح، التي جعلت المرجعية الدينية تقول إن “صوتها بح” ولم يسمعها أحد، ما عدا إجراءات التقشف التي هي ليست من الإصلاح في شيء لا يبدو اكثر مما ذهب اليه ابو نواس “وداوني بالتي كانت هي الداء”. فبيع العقارات والقصور لتمويل العجز هو عجز بحد ذاته. والحد الثاني أن هناك مؤشرات على إقدام نفس ابناء الطبقة السياسية ممن يتخذون هذه المباني والقصور مقرات لهم على شرائها بأقل بكثير من قيمتها الحقيقية وهو ما يعني اننا كمن يزيد الفقراء فقرا والاغنياء غنى. والحد الثالث أن المبلغ الذي تحصل عليه الحكومة والذي يقدره البعض بنحو مائة مليار دولار سوف يذهب في مجمله الى الرواتب والأجور وهو مايعني عودة وتيرة الفساد ذاتها من خلال التصرف الخاطئ بآخر ما نملكه من “ذخر”. هذا الذخر الذي كانت تتفنن به عجائزنا أيام زمان لتمويل عملية دفنهن عند الوفاة من خلال تأمين مبلغ مالي لا احد يعرفه الا لحظة الاحتضار. الفارق ان العجائز ينتقلن بالفعل الى رحمة الله بينما حكومتنا تريد اللجوء الى “الذخر” وهي في عنفوان كهولة مسؤوليها اصحاب الربطات الثمينة والعمائم السوداء والبيضاء الملفوفة بعناية على الرؤوس.

مقالات ذات صله