حقائق وأرقام حول آثار انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد العالمي

الأستاذ الدكتور سعود جايد مشكور

جامعة المثنى – كلية الإدارة والاقتصاد

شهدت أسعار النفط انخفاضا تدريجيا ملحوظا خلال عام 2015 بعد أن كانت بحدود ( 110 ) دولارات للبرميل الواحد طوال السنوات الأربع الماضية (منذ نهاية عام 2010 وحتى نهاية عام 2014). اذ ان الأسعار انخفضت من أعلى مستوى لها وهو( 110 ) دولارات للبرميل الواحد في شهر حزيران الماضي من عام 2015 حتى أن السعر الآن وصل إلى اقل من ( 48 ) دولاراً للبرميل الواحد. فما هو تأثير انخفاض أسعار النفط لهذه المستويات على الاقتصاد العالمي ؟

        أن مقدار الانخفاض الذي حصل يقدر بمبلغ ( 62 ) دولاراً للبرميل الواحد أي ما نسبته (56 بالمئة) . وتعود الأسباب الرئيسية لهذا الانخفاض الكبير في أسعار النفط إلى ما يأتي :

    1. قلة الطلب العالمي على النفط، مع ثبات كميات الإنتاج وخاصة من دول منظمة أوبيك. توقعت وكالة الطاقة الدولية، أن يتباطأ نمو الطلب العالمي على النفط، من أعلى مستوياته على مدار خمس سنوات، من 1.8 مليون برميل يوميا في 2015، إلى 1.2 مليون برميل يوميا في 2016.          وذكرت وكالة الطاقة الدولية، إن المعروض العالمي من النفط استقر عند 96.6 مليون برميل يوميا في أيلول/ سبتمبر 2015 ، حيث جرى تعويض انخفاض الإنتاج من خارج منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، بزيادة طفيفة في إنتاج نفط أوبك. وشكل الإنتاج النفطي من خارج أوبك، أقل قليلاً من 40% من الزيادة السنوية من إجمالي إنتاج النفط، بمقدار 1.8 مليون برميل يومياً.
    2. وتوقعت الوكالة أن يؤدي انخفاض أسعار النفط والقيود الشديدة على الإنفاق إلى خفض الإنتاج من خارج أوبك، بنحو 500 ألف برميل يومياً في 2016. وارتفع  معروض أوبك من النفط الخام بمقدار 90 ألف برميل يومياً، في أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى 31.72 مليون برميل يومياً، حيث عوض المعروض العراقي بشكل قياسي التراجع في المعروض السعودي. وتقول وكالة الطاقة الدولية إن التباطؤ المتوقع في نمو الطلب والارتفاع الطفيف في المعروض من خارج أوبك، يؤديان إلى التوقع بخفض الطلب على نفط أوبك بمقدار 200 ألف برميل يومياً ليصل إلى 31.1 مليون برميل يومياً في عام 2016.
  • تراجع طلب الولايات المتحدة على النفط المنتج في دول منظمة الأوبيك وخاصة من السعودية على اثر قرار الولايات المتحدة الأمريكية استخراج النفط من الصخر الزيتي (وهو صخر رسوبي يحتوي على مادة عضوية صلبة قابلة للاحتراق والتقطير تحتوي على نسبة من المواد العضوية الثقيلة التي تدخل في تركيبها النيتروجين والأكسجين والتي تسمى الكيروجين متخللة بين حبيباتها) بعد أن كان غير مجد في الماضي. وهذا التوسع في استخراج الغاز الصخري في أمريكا قد خفض من حاجتها لاستيراد البترول. فقد تم حفر أكثر من 20 ألف بئر في الولايات المتحدة منذ عام 2010 وهي السنة التي بدأت فيها أسعار النفط تتراوح بحدود ( 110 ) دولارات للبرميل الواحد. وهذا مكن أمريكيا من تعزيز إنتاجها من النفط بحوالي الثلث ليصل إلى نحو 9 ملايين برميل يوميا وهو أقل فقط بمليون برميل عن إنتاج السعودية.
  • ان عوامل العرض والطلب ليست وحدها التي تؤثر في سوق النفط العالمي، فالاضطرابات السياسية العالمية في أوكرانيا وسوريا والعراق وليبيا وغيرها من الدول لها تأثيرات مباشرة على أسعار النفط.
  1. تراجع النمو العالمي مما أدى إلى تخفيض الطلب على البترول خاصة من الصين. وانخفاض الطلب قابله لزيادة غير متوقعة في الإنتاج من العراق وليبيا.

وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن تبلغ نسبة النمو الاقتصادي عالميا 3.1 في المئة خلال العام 2015 و3.8 خلال 2016، وهو ما يعني انخفاضها عن تقديراتها قبل ستة أشهر.  وكان من المنتظر أن تبلغ نسبة النمو 3.6 في المئة في 2015 و 3.9 في المئة العام المقبل، وفقا لتقديرات المنظمة البحثية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015. وعزت المنظمة تراجع التوقعات إلى الأداء الاقتصادي الضعيف خلال الربع الأول من العام الحالي، إذ سجل نمو الاقتصاد العالمي أقل نسبة منذ الأزمة المالية عام 2008.

ومن المتوقع أن يتعافى الاقتصاد العالمي تدريجيا مستفيدا من انخفاض أسعار النفط، بحسب تقديرات المنظمة التي تعلن عنها كل ستة أشهر. وتعد الولايات المتحدة من أكثر الدول تضررا، إذ تشير التقديرات إلى الاقتصاد الأمريكي سينمو بنسبة 2 في المئة خلال العام الحالي و 2.8 في المئة خلال 2016 بدلا من 3.1 في المئة و 3 في المئة (على التوالي) كما كانت تتوقع المنظمة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2015.

ومن المتوقع تراجع نمو الاقتصاد الصيني إلى 6.8 في المئة خلال 2015 و7.1 في المئة خلال العام المقبل. وفي المقابل، تشير التقديرات أن إلى النمو الاقتصادي في منطقة اليورو ستبلغ نسبته 1.4 في المئة خلال العام الحالي و2.1 عام 2016 بدلا 1.1 في المئة و1.7 في المئة على التوالي في التوقعات السابقة.

ولفتت المنظمة إلى أن التعافي الاقتصادي اتسم بضعف “غير معتاد” منذ الأزمة المالية والاقتصادية.

ان انخفاض أسعار النفط بمبلغ ( 48 ) دولاراً للبرميل خلال الشهور الستة الماضية يعني بداية نقل ما يقارب من 1.3 ترليون دولار من الدول المنتجة الى الدول المستهلكة للنفط، وبشكل أكثر تحديدا فان الأموال ستنتقل من المنتجين الى المستهلكين خلال سنة. فمثلا، اذا كان متوسط استهلاك الفرد في العالم نحو 3000 دولار سنويا من البنزين لتشغيل واستخدام السيارة، فإنه سيوفر نحو( 1680 ) دولاراً نتيجة لانخفاض أسعار النفط بنسبة 56 بالمئة. الأمر الذي يؤدي الى ارتفاع في الراتب السنوي للفرد بنسبة معينة قد تتراوح ما بين 3 الى 12 بالمئة وهي تختلف من دولة لأخرى.

وعلى الأغلب فأنه سيتم انفاق هذا المبلغ الذي انتقل من الدول المنتجة للنفط (من الصناديق السيادية للدول المنتجة للنفط) الى الدول المستهلكة للنفط في مختلف دول العالم، على الاستهلاك، مما يعني أن الطلب سيرتفع ولكن لن يعني هذا بالضرورة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي لأن قيمة الناتج بالأسعار الجارية ستتراجع بسبب انخفاض أسعار النفط وبقاء كميات الإنتاج كما هي. أما البلدان المنتجة للنفط والتي تعتمد موازناتها المالية على أسعار النفط المرتفعة فإنها ستواجه مشاكل وأزمات مالية.

وفي تقرير للبنك الدولي أشار إلى أبرز التأثيرات الإيجابية لانخفاض أسعار النفط في تراجع التضخم في الدول المصدرة والمستوردة للنفط، وزيادة طفيفة في الاستهلاك الناجم عن انخفاض الأسعار، مما يحقق انتعاشا لمعدلات النمو. وأوضح التقرير أن «هبوط أسعار النفط أدى بالفعل إلى تراجع معدلات التضخم على مستوى العالم، وقد يحفز ذلك على انتعاش الاقتصاد العالمي.

كما أن انخفاض أسعار النفط تعني انخفاض أكثر في معدلات التضخم المخفضة أصلاً، فمعظم دول العالم لديها معدلات تضخم منخفضة أقل من 3 بالمئة باستثناء دول مثل تركيا (8.9 بالمئة) وبولندا (7.6 بالمئة) والهند (8 بالمئة) وإندونيسيا (6.3 بالمئة) والبرازيل (6.3 بالمئة) وفنزويلا (62.2 بالمئة) ومصر (10.7 بالمئة) وجنوب أفريقيا (6.2 بالمئة) . وسيشجع انخفاض أسعار النفط البنوك المركزية لاتباع تسهيلات في السياسة نقدية عن طريق تخفيض أسعار الفائدة، مما قد يعني زيادة الطلب على التسهيلات الائتمانية .

كذلك حذر تقرير حديث للبنك الدولي من تبعات وعواقب واسعة من انهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية (أقل من 50 دولاراً) على البلدان المصدرة والمستوردة للنفط على السواء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتوقع التقرير أن تسجل الدول المصدرة للنفط عجزا كبيرا في ميزانياتها وتقلص في فوائض الميزانية بدرجة كبيرة، وتراجع في ميزان المعاملات الحالية، مما يخلق ضغطا على العملة المحلية.

لقد ظهرت الآثار الأولية المباشرة لانخفاض أسعار النفط (كما هي الحال عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية) على البورصات العالمية المؤشر الأكثر حساسية للازمات المالية ولتقلبات أسعار النفط الكبيرة. اذ ان مؤشر البورصة يقرأ توقعات مكونات الاقتصاد الكلي ويتحرك مباشرة. وان انخفاض أسعار النفط تعني بالنسبة للدول المنتجة للنفط توقع تراجع الإيرادات وتراجع أرباح الشركات المنتجة للنفط ومن ثم تراجع مسبق لأسعار أسهم تلك الشركات، وهذا ما حصل في بورصات دول مجلس التعاون الخليجي هذا الانخفاض. ومن الجدير بالذكر ان موازنات بعض الدول المنتجة للنفط في العالم ومنها دول مجلس التعاون الخليجي قد لا تتأثر في العام 2015 وفي العام القادم 2016 بسبب تراكم الاحتياطيات لدى الصناديق السيادية لتلك الدول.

وبشكل عام فان الآثار الاقتصادية الكلية للنفط الرخيص ستكون إيجابية، وهذا يعتمد على مدى استمرار انخفاض أسعار النفط، وذلك لأنه يتأثر بعدة عوامل منها استمرار انتاج الولايات المتحدة للنفط من الصخر الزيتي، ومدى قدرة بعض أعضاء منظمة أوبيك (منظمة اتحاد الدول المصدرة للبترول OPEC ) في التأثير على قرارات المنظمة لتخفيض الإنتاج ومن ثم رفع أسعار النفط من جديد. المملكة العربية السعودية لا ترغب بزيادة الإنتاج لأنها تضغط باتجاه سياسة أخرى تتمثل في ترك الأسعار تنخفض وإخراج المنتجين الذين يتكبدون تكاليف مرتفعة لإنتاج النفط للخروج من السوق، مما يعني تخفيض الإنتاج مستقبلا وارتفاع الأسعار مجدداً. وهنالك مؤشرات لوجود مثل هذا السيناريو على أرض الواقع. ان أكثر الشركات تأثراً في انخفاض أسعار النفط هي شركات الصخر الزيتي التي بدأت إنتاج النفط مراهنة على بقاء أسعار النفط حول معدل (110 ) دولارات خلال السنوات الماضية.

مقالات ذات صله