حب التملك… عاطفة جياشة أم أنانية تزعج الآخر؟     

 

بغداد_ متابعة

تهتم السيدة ريم صالح بزوجها وبأموره الصغيرة والكبيرة كلها، ويشعر زوجها في كثير من الأحيان أن ما يصدر منها ما هو إلا حب للتملك أو التحكم، وهذا أمر يضايقه جدا، خصوصا أنه من الرجال الذين يحبذون التصرف كما يحلو لهم، بعيدا عن المشاركة الزوجية الحقيقية.

ويقول الزوج محمد “زوجتي معطاءة، وتهتم بأموري كافة، ولا تتأخر عني في تلبية أي طلب، لكنها مع الأسف لا تساوم في بعض المسائل، فمثلا تريد مرافقتي دائما، وتغتاظ إذا ما شعرت أن أحدا من أصدقائي استرق بضع ساعات من وقتها، فأشعر بأنها تتمسك بي كظلي فحبها خانق صراحة، وأخاف أن يسبب ذلك يوما ما اشتعال حرب بيننا تنهي حياتنا الأسرية”.

ويعاني العديد من الأشخاص من “حب التملك” من قبل المقربين منهم، سواء كان زوجا أو ابنا أو صديقا، وهذا الحب يجعل الزوج يقدم على أي أمر تجاه زوجته والعكس صحيح، ويجعل الصديق يحاصر صديقه ويقيده دائما، فنراه أحيانا حبا غريبا، وقد يزعج وينفر الطرف الآخر.

وتنزعج مروة الشريفي (28 عاما) من سلوكيات إحدى صديقاتها المقربات الذي تصفه بـ(حب التملك)، رغم حبها الشديد لها، وتقول “تشعر صديقتي بعدم الارتياح عند ظهور فتاة أخرى تحاول الاقتراب مني، إلى جانب رغبتها في الانفراد والبعد عن محيط الصديقات والزميلات، وهذا الأمر لا يروق لي أبدا”.

وتضيف “تطاردني صديقتي بالمكالمات والرسائل النصية عبر الهاتف النقال أغلب الأوقات، كما أنها تحاصرني بالأسئلة مع من أتحدث ومع من أضحك وكيف قضيت الوقت بعيدا عنها”.

وبعد زواج مروة، نشبت العديد من الخلافات والمشاجرات بينها وبين صديقتها، بسبب انشغالها عنها في العديد من المسؤوليات الأسرية الجديدة، موضحة “لم تتقبل صديقتي هذه التغيرات، وأصيبت جراءها بحالة نفسية سيئة جدا لم تستطع الخروج منها حتى الآن”.

وتشكو الطالبة الجامعية سهير فاروق من حب والديها المفرط لها، مبينة أنها تقدر حرصهما وخوفهما الشديدين عليها، لكنها تشعر دائما أنهما يسيطران على شخصيتها بالكامل ومنذ الطفولة، حتى انهما يتسببان بإحراجها أمام صديقاتها والغرباء.

وتقول “تحاورت مع والديّ حول هذا الأمر، وبينت لهما أن لكل إنسان مساحة من الحرية والخصوصية، لكن بدون فائدة، لا أخفي شيئا عنهما، لكن يزعجني إصرارهما على معرفة كل شاردة وواردة عني؛ مع من تحدثت، بمن أهتم، هواياتي، فرحي، حزني، ملابسي، والعديد من التفاصيل المملة، وصراحة أغار من صديقاتي عندما أرى والديهما يتعاملان معهما بشكل طبيعي بعيد عن حب التملك هذا”.

وفي هذا السياق، يعلق الاختصاصي النفسي د. سعد محمود هادي ، قائلا “قد يعاني الفرد من حبه لتملك كل الأشياء حتى لو لم يكن في حاجة إليها، ويجد دوما أن الاستقرار والطمأنينة اللذين يحوزهما لن يأتيا إلا بتملك كل شيء وأي شيء”.

ويكون هذا الشخص، كما يقول، يعاني من داء نفسي يسمى (حب التملك)، وهو الرغبة في امتلاك الآخر والتحكم في مسار حياته، لأنه من وجهة نظره تابع له وليس شخصا مستقلا بذاته.

ويضيف “هؤلاء الأشخاص يتناسون أو يتجاهلون أن العلاقة الزوجية أو بين الأصدقاء هي علاقة احترام وحب متبادل، والاحترام لا يقل أهمية عن الحب، وإذا ما أخذ الاحترام مكانته الطبيعية في العلاقة، فإن الطرفين يتوقفان عن تقييم علاقتهما على أساس الأشياء الصغيرة مثل غياب الرجل عن البيت لبعض الوقت أو تقصير المرأة في هذا الواجب الثانوي أو ذاك”.

وعندما يتجاوز الطرفان تلك النظرة الجزئية في الحكم على بعضهما بعضا، وفق هادي، يصبح كل منهما قادرا على التأقلم مع الآخر كما هو بسيئاته وإيجابياته وبوجوده مع أصدقائه أو في البيت.

والاحترام، في رايه، هو الضمان لتماسك العلاقة بين الزوجين أو الأصدقاء، ويكبر ويترعرع عندما يكون كل واحد من الطرفين مستعدا للاعتراف بخصوصية الآخر، وبحاجته إلى أن يعود إلى ذاته كلما شعر بالتوق إلى ذلك.

وتؤكد التربوية خوله التميمي ، أن غريزة حب التملك تتفاوت عند البشر، وهذه الغريزة لها جانب جيد في كونها تدفعنا قدما نحو هدف معين ننشد من ورائه امتلاك شيء ما بالطرق الشرعية، إلا أن لحب التملك نوعا آخر، وهو حب تملك الأشخاص ويكون أخطر من تملك الأشياء.

وتردف “قد تصل درجة عشق الطرف لشريكه حد الرغبة في السيطرة عليه، وعلى كل حركاته وسكناته، وذلك من منطلق الخوف عليه وخشية فقدانه في يوم من الأيام، بحيث يتعلق في شريكه إلى حب الرغبة في تملكه، وهو يعتبره كذلك ملكا له ويلغي شخصيته ولا يتحمل أبدا أن يعارضه في عمل ما وهذه الرغبة في التملك قد يفسرها البعض على أنها حبا، وقد يعتبرها البعض الآخر رغبة في السيطرة على الآخر.

وتوضح أن هذا يعني أن حب التملك يمتلك جانبا إيجابيا، وهو التعبير للطرف الآخر عن محبته له وإعطاؤه ما يريد وما يحتاج، والجانب السلبي من غريزة حب التملك، هو أن يطغى حب الامتلاك ليصل إلى حدود انتهاك حقوق الآخرين.

وتلعب الثقافة أيضاً دوراً مهماً  في حبنا لتملك الأشياء، إذ اكتشف الباحثون أخيراً أن علامات حبّ التملك لا تظهر على “شعب الهادزا” الذي يعيش في شمال تنزانيا في عزلة تامة عن الثقافة المعاصرة، إذ يعيش أفراده في مجتمع قائم على المساواة يتشارك فيه الجميع كل شيء.

ويشار أيضاً إلى أن وجود التطور التكنولوجي قد يعمل على تقليل مفهوم التملك المادي، إذ أصبح اليوم بوسعنا الحصول على النسخ الإلكترونية من الأفلام والكتب وأمور أخرى، لكن كثيرين منا يعترف بأن هناك ما يجعلنا سعداء عندما نمسك غرضاً مادياً في أيدينا، خصوصاً الكتب وأسطوانات الأفلام والموسيقى.

ويشير علماء النفس إلى أننا نصبح مولعين ببعض الأغراض منذ سن مبكرة لإيماننا بأن ما نملكه هو فريد من نوعه، إذ أُثبتت هذه النظرية من خلال إقناع أطفال بين الثالثة والسادسة من عمرهم بأن هناك آلة نسخ يمكنها أن تنتج منتجاً مشابهاً لأي شيء. وعندما خُيّر الأطفال بين ألعابهم المفضلة ونسخة مطابقة تماماً لها، اختار غالبية الأطفال لعبتهم الأصلية، فيما خاف بعضهم من فكرة أخذ نسخة غير أصلية من ألعابهم إلى المنزل.

 

مقالات ذات صله