جيل الستينيات .. الحركة التجديدية الأقوى في الثقافة العراقية

بغداد_ متابعة

في الستينيات ظهرت حركة أدبية وثقافية قوية ومجددة في العراق، امتدت ليس فقط إلى الأدب، شعراً ونثراً، وإنما شملت الفن التشكيلي والمسرح، وكان بها شباب كثيرون سعوا إلى عمل نهضة ثقافية لبلدهم العراق، اعتماداً على فهم جديد وجرئ للعالم والحياة، متأثرين بفترة الستينيات الشهيرة التي كانت بالنسبة للعالم أجمع أحد فترات التحرر الهامة.

أنصف كتاب “الروح الحية جيل الستينيات في العراق” لفاضل العزواي، جيل الستينيات والذي ينتمي المؤلف له، حيث قدم تحليلاً موضوعياً لظهور هذا الجيل، اعتماداً على الخلفية عديدة منها الاجتماعية لوقت ظهوره، يقول “العزاوي” في كتابه: “تعرض جيل الستينيات من الشعراء والأدباء في العراق، من جهات مختلفة، إلى الاتهام بنشر روح اليأس والهزيمة، وتبني المدارس والأفكار البرجوازية المنحطة، وكان الهجوم على هذا الجيل من الأجيال التي تلته، والتي شعرت بوطأة الدور الذي لعبه بعض من ينسب نفسه إلى الستينيات، في الهيمنة على المراكز الثقافية في العراق لعقدين من الزمان”.

يقول العزاوي: “في أواسط الستينيات، عندما ظهرت الأعمال الستينية الأولى، التي شكلت بذرة الاتجاه الجديد، كانت التسمية التي أطلقت على هذه الظاهرة “الموجة الجديد” و”الكتابة المضادة” و”الكتابة الحرة” و”اللا قصيدة”، ولم يظهر مصطلح “جيل الستينيات” إلا بعد سنوات من ذلك، ضمن الكتابات النقدية، وغالباً من خصوم الحركة الجديدة، أثرت روح الستينيات كعقد متميز في تطور الوعي، ليس على المستويين العراقي والعربي، وإنما على المستوى العالمي أيضاً، بطرق مختلفة على الكتاب والفنانين الجدد، وتركت تأثيراتها على كتاباتهم، التي تنتمي إلى اتجاهات جمالية مختلفة، على المستوى الكوني غيرت فترة الستينيات، بحساسيتها الإنسانية الجديدة، الكثير من الرؤى المحافظة القديمة، وفتحت الطريق أمام التحرير الشامل للإنسان من أوهام وعبوديات فكر الماضي ، فإذا كانت الحركة الستينية هناك قد اتخذت طابعاً جماهيرياً في الغرب، وخاضت طيلة أعوام معارك شوارع عنيفة ضد السلطات، فإنها اقتصرت في العراق على الأدب والفن وحده، بدون أي قاعدة شعبية فعلية”.

يؤكد العزاوي على أن “لا تشبه الستينيات العراقية أي عقد آخر من العقود التالية التي مرت بالعراق، الأمر لا يتعلق بتجديد شكلي مجرد للكتابة، وإنما بتحول كامل في الوعي الفكري والاجتماعي فرضته الأحداث، هذا الانتقال من شكل للوعي إلى شكل آخر له هو الذي كشف لنا قصور الحركة التجديدية الأدبية الأولى، التي كانت قد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، لم يعد الأمر يقتصر على صراع بين شعر التفعيلة والشعر العمودي، بين الوزن واللاوزن، وإنما صار يتعلق قبل كل شئ بمحتوى الكتابة ذاتها.

راصداً الحركة الثقافية من بدايتها في العصر الحديث، يقول العزاوي: “نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 أدت إلى مرحلة جديدة في تطور الحركة الثقافية العراقية، بتأثير التغيير الشامل الذي حدث للعالم، ارتبط الشعر الحديث بأسماء شعراء غيروا خارطة الشعر العربي، “بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، وحسين مردان”، والذي كان رائداً لقصيدة النثر في العراق، وفي القصة كانت هناك أسماء بارزة: “عبد الملك نوري” الذي أصدر مجموعة “نشيد الأرض” 1954، و”ذنون أيوب” الذي نشر أكثر من مجموعة قصصية ورواية، و”غائب طعمة فرمان” المولع بتصوير الأجواء الشعبية، و”فؤاد التركلي” الذي نشر في العام 1960 مجموعة “الوجه الآخر”، و”محمد روزنامجي” الذي قدم قصصاً تقوم على تحليل الأعماق الداخلية لأبطاله، و”يحيى بابان، وغانم الدباغ، وشاكر خصباك، ونزار سليم، ونزار عباس، وعبد الله نيازي، ومهدي عيسى الصقر، وغازي العبادي، وموفق خضر، وخضير عبد الأمير”، لم يكن الجو الثقافي يقتصر على هؤلاء وحدهم، كانت هناك أسماء أخرى ذات حضور أدبي عام ، في الطليعة “جبرا إبراهيم جبرا، ونجيب المانع”، وفي المسرح كان هناك “يوسف العاني، وفخرية عبد الكريم، وناهدة الرماح، وإبراهيم جلال، وخليل شوقي، وسامي عبد الحميد، وقاسم حول”.

فاضل العزواي يقول “العلاقة بين الكاتب وقراءه انعدمت في الستينيات، حيث لم يعد الكاتب يعبر عن موقف مشترك، وإنما عن رؤية إشكالية جعلت منه نعجة سوداء في الأغلب، بسبب انعدام القاعدة الشعبية والثقافية المستعدة لتبني رؤياه عن أفق التطور الجديد، لقد بدا بعض الكتاب الستينيين وكأنهم يتعمدون إفزاع قرائهم بكتابات مضادة لكل ما كانوا قد تعلموه من قبل، وهذا يفسر الموقع الهامشي والنخبوي لهذه الكتابات في وعي الناس، وهو موقع أوجده التقصير في بعض الإبداع الستيني، الذي عزل رؤيا الحداثة عن قضايا تتعلق بالهوية والطابع التاريخي لتطور البنية العربية”.

حول التراث وعلاقة جيل الستينيات يبين العزاوي: “اعتاد النقاد اتهام الحركة الستينية بأنها ضعيفة الصلة بالتراث، وهم يقصدون التطور الذي حدث داخل اللغة وطريقة اقتراب الشاعر والكاتب من موضوعه ووعيه الجديد بوظيفة الأدب، ولكن رغم غليان الحياة الأدبية والفكرية في الستينيات العراقية فإنها وجدت الكثير من الصعوبة في تقديم نفسها خارج العراق”.

“فاضل العزاوي”، شاعر وروائي ومترجم عراقي، ولد في كركوك في العراق عام 1940، حصل على بكالوريوس في اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد عام 1966 ثم سافر إلى ألمانيا ليحصل على الدكتوراه من جامعة “لايبتزغ”، ويعتبر من مؤسسي “جماعة كركوك” التي تضم “سركون بولص، وجان دمو، ومؤيد الراوي، وصلاح فائق”، والتي اهتمت بقصيدة النثر.

مقالات ذات صله