تعددت الاسباب والاحتيال واحد…حمى قراءة الطالع تنتشر بين الشباب  

بغداد_ متابعة

مع بداية كل عام نجد على رفوف المكتبات عددا من الكتب التي تتناول الحظ والأبراج حتى تحول الأمر إلى ظاهرة ملفتة للأنظار وتنبه إلى وجود خلل ما. لُوحظ إقبال غير عادي من صغار السن والمراهقين على اقتناء كتب الحظ، وأثبتت الإحصائيات أن المراهق يسجل أعلى النسب في قراءة الأبواب الصحفية للأبراج، وللأسف وجد مروجو هذه النوعية من الخرافات الفرصة لتحقيق الربح المادي على حساب شخصيات أبنائنا.بدأنا بسؤال أحد المنجمين، وكما هو متوقع، فقد دافع عن موقفه قائلا: “ما نقوم به يخرج عن دائرة الدجل والاحتيال، لأن الأبراج والكواكب ينظمها علم الفلك الذي يخضع لأسس وقواعد ثابتة كغيره من العلوم، وللأسف يواجه عملنا بكثير من السخرية وعدم الاكتراث، رغم أن الغرب يخصص المعاهد والكليات من أجل دراسة هذا العلم، ليحتل التنبؤ بالمستقبل مساحات عريضة من اهتمام هذه الشعوب”.

ويضيف: “قطاعات عديدة تهتم بتأويلات الكواكب والأبراج، فلم يعُد الأمر مقصورا على الجهلة وغير المثقفين، فالمترددون عليّ والذين يطلبون مشورتي من علية القوم وأصحاب الثقافة الرفيعة والثروات الواسعة، حيث أصبح كشف الأسرار والتنبؤ بمستقبل الإنسان هاجسا امتد أيضا إلى الطب، فقد اكتشف علماء الهندسة الوراثية منذ فترة إمكانية التنبؤ بمستقبل الإنسان عن طريق الجينات”.وفي هذا الصدد يقول الدكتور مصطفى الحيالي: إن الجهود تكثف حاليا لإطالة عمر الإنسان، وتوفير حياة سعيدة يملؤها الشباب والنشاط، معتمدين على الهندسة الوراثية واكتشاف الجين المسؤول عن إحداث الشيخوخة المبكرة لدى الشباب في سن لا تتجاوز الثلاثين، وبذلك أصبح علم الوراثة أكبر منافس لعلم الفلك والتنجيم.لنعُد إذن إلى أبواب الحظ في الصحف والمجلات، حيث تمتد الأيدي لتتصفح الجريدة أو المجلة بحثا عن باب “حظك اليوم” أو “حظك هذا الأسبوع”، أو تتجوّل العيون بين مختلف الكتب في المكتبات وعلى الأرصفة بحثا عن كتب الأبراج، ويحدثنا الدكتور سعد محمود هادي  “الطب النفسي والعصبي “عن هؤلاء الشباب المصابين بحمى الأبراج والتنجيم، ويصفهم بأنهم لا يزالون في مرحلة النمو والتكوين الثقافي ولم يستقروا بعد على الأسلوب الـذي يتعامـلون به مع العالم المحـيط بهم، وأنهم أيضا تأثروا بثقافة الشعوذة التي ستؤثر عليهم بشكل سلبي طوال حياتهم، مما يؤثر في طريقة تعاملهم مع الناس وطريقة فهمهم للقيم السائدة في المجتمع.

ويضيف الدكتور سعد قائلا: “وفي النهاية لا يكون لدينا سوى إنسان انهزامي اتكالي يؤمن بالموروثات الشعبية أكثر من إيمانه بفاعلية العلم وأثره في التقدم، ويصبح لدينا جيل جديد متكاسل، ضعيف الإنتاج وعاجز عن تحقيق التنمية، وأدعو الآباء أن يمنحوا أبناءهم مزيدا من العطف والاهتمام، لأن النزوع إلى هذه النوعية من قراءات الحظ تشير إلى افتقاد هؤلاء المراهقين إلى الأمان، ومحاولتهم البحث عن تفاصيل ما هو آت باطلاعهم على المستقبل من خلال الجرائد والمجلات، ورغبتهم في تصديق المنشور كعامل مساهم في إيمانهم وانفعالهم بهذه الحقائق الزائفة، وغالبا ما تكون المعلومة المقدمة للقارئ في باب “حظك اليوم” مجردة وعامة، ومن ثم فهي قابلة للتأويل والتشكيل من قبل القرَّاء لتناسب الأحداث التي يمرون بها، لذلك فنحن في حاجة إلى زيادة الوعي حول الدجل والشعوذة، والتنبيه إلى خطورة التمادي في هذا الطريق من خلال وسائل الإعلام ورجال الدين”.

ويعلق الدكتور حسن كامل  الساعدي  أستاذ الإعلام فيقول: الأمر لا يخرج عن حيز التسلية وملء وقت الفراغ، الذي تُعاني منه الفئات صغيرة السن كالمراهقين والشباب، خصوصا وأن الغالبية العظمي منهم تدرك تماما، أن مثل هذه الأبواب الثابتة في الصحف والمجلات لا تتعدى كونها مادة صحفية تنشر يوميا على سبيل ملء الفراغات، وليس للفلك دخل في المعلومة المقدمة على الأوراق.وأحيانا يمثل الإقبال، الذي يصل إلى حد الإدمان، خطورة كبيرة، لأنه مؤشر على معاناة شبابنا من الفراغ، وبالتالي استعداده لتقبل أي أفكار أو معلومات، فهو ليس فراغ وقت فقط، وإنما فراغ عقل وفكر أيضا.

ويضيف الدكتور الساعدي  أن العراقيين  بطبيتعهم أكثر ميلا إلى الأشياء الغيبية والروحانيات كقراءة الحظ والطالع وهكذا، وهو ليس شيئا جديدا علينا، إنما هو امتداد لعادات قديمة ورثناها عن الأجداد، وللأسف هذه الظاهرة تعكس واقع الحياة الصعبة التي يعيشها العراقيين ، فهي المرادف لشخصية محبطة، لا تستطيع السيطرة على الظروف، وإنما تنتظر حل مشاكلها بصورة سهلة ومفاجئة، ومثل هذا الإقبال على الأمور الغيبية يمنح الإنسان شعورا بالراحة النفسية، لأنه يلقي بهمومه على عاتق القدر ويريح نفسه من الاجتهاد وتكبد معاناة البحث والتفكير.

وصغار السن من أبنائنا بداخلهم رغبة جامحة في الاستمتاع بالحياة والابتعاد عن تحمُّل أي مسؤولية وتجنب كل ما يثير البال ويشغله، لذلك نجدهم من أكثر الفئات المقبلة على هذه الكتب والأبواب الصحفية، وبرغم عدم تفاقم الظاهرة ودلالتها، إلا أنه من المفضّل توجبه شبابنا إلى مجابهة تحديات الحياة بالعقل والمنطق، وليس بالهروب إلى الخرافات والدجل.
وهناك من يرى أن قراءة الطالع أو التنبؤ بالمستقبل في سياق نظام الاعتقاد الفردي قابل للتصديق تماما. والشخص الذي يمارس الكهانة لنفسه ربما يستخدم ردود أفعاله الاعتباطية على ممارسات (كقارئة أوراق التاروت أو استخدام البندول) كنوع من التنظيم العقلي لأفكار ذاتية. والمتنبئون أنفسهم يمكن أن يقوموا بتغيير سلوكهم تجاه بعض الموضوعات حسب شخصية الشخص الذي سيقومون بالقراءة له ما يجعل التنبؤات تبدو صادقة ويراها السائل حقيقة.
فغالبية المتنبئين على قدر كبير من الفراسة والذكاء، ودائما ما تكون توقعاتهم غامضة ويمكن اسقاطها على أكثر من حالة، كما يأخذ البعض تلك التنبؤات مصدرا للتسلية أو الانحرافات. ويرى البعض أن التنبؤات قد تخفض من حدة القلق حول المستقبل المجهول , عندما يكون من اللازم اتخاذ قرار ما يستند الى معلومات ناقصة، وأن قارئ الطالع أو المتنبئ يتمكنان من اخفاض القلق المرتبط بالتخمين.
ومن الممكن أن يمثل قارئ الطالع قوة السلطة الخارجية للتضرع في المساندة لاتخاذ القرار، أو في الدفاع أو التبرير للقرار المأخوذ. ويبدي العرافون مهارات في قراءة الناس واخبارهم بما يريدون سماعه، ويستخدمون في الغالب كلمات وعبارات مبهمة ولا يزجون بأنفسهم في صور الافتعال أو التزييف.
وبالتالي… التنبؤ لا يكون خاطئا أبدا، ولكن تفسيرات الأشخاص هي ما قد تخطئ أحيانا، وتحيز الناس وتأكيداتهم هي ما تجعل المرء يتهيأ للبحث عن قارئ يفسر الأحداث بشكل أكثر دقة بدلا من الوقوع في قارئ قد يخطئ ذلك , وزبائن خدمات قراءة الطالع يفشلون في ملاحظة أن البيانات التي يقدمها القارئون لهم قد تعكس الحقيقة، ولكنها في الغالب تنطبق على معظم الناس.

 

مقالات ذات صله