تاريخ إنتشار الخمور في بغداد في العصر العباسي الاول

بغداد ـ خاص

في سلسلة تراث بغداد كانت لنا محاضرة عن انتشار الخمور في بغداد في العصر العباسي الاول ذلك ان بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجري شهدت تطورات عظيمة في شتى مناحي الحياة فلقد مارس البغداديون وانتشرت انواع من الملذات كانتشار المقاصف والخمارات ودور القيان والاقبال على الجنس بسبب الثراء الذي اصاب الكثير من البغداديين وشيوع الرقيق وكثرت مجالس اللهو حيث اقبلت جماعات من البغداديين على احتساء الخمور ويحسنون شربها ويبينون فوائدها واعتبرت الخمر احدى اللذات وقامت الخمارات في اول عهد بغداد وضمت الحانات المغنيات والمغنين والراقصات والجواري الساقيات وكثرت الاغاني حيث فتح اقبال البغداديين على الغناء افاقا غنائية عديدة وظهرت القيان وقضت مهنة النخاس ان تكون له دار يعرض فيها جواريه وانتشر المجون في بغداد وكثر المستهترون والقيادة والدعارة ودورها ومعاشرة الغلمان وبالنسبة لانتشار الخمور في بغداد فان مايذكره الاصبهاني في كتابه الاغاني ان الخليفة ابو جعفر المنصور وهو الخليفة الاول في بغداد لم يكن يظهر لنديم قط ولا رآه احد يشرب وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا وبين الستارة والندماء مثلها اي ان جلسة المنصور وما تحتوي الجلسة وعما اذا يحتسي الخمرة من عدمه لم يستطع احد الاطلاع عليه بسبب ما احاط بالمكان من حواجز ذلك ان الجاحظ يقول ان الخليفة السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها اي ان شربه يكون يوم واحد في كل اسبوع وان الخليفتين المهدي وابنه الهادي كانا يشربان يوما ويدعان يوما اي ان شربهما يوما وراحة يوما ويشربان في اليوم التالي وكان الخليفة الرشيد يشرب كل جمعة مرتين اي انه يشرب ليومين في الاسبوع ولم يره احد قط يشرب ظاهرا بل كان يخصص يومين يقعد فيهن لندمائه وكان الخليفة المأمون في اول ايامه يشرب الثلاثاء والجمعة من كل اسبوع ثم أدمن الشرب عند خروجه الى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين الى ان توفي وكان الخليفة المعتصم لا يشرب يوم الخميس ولا يوم الجمعة اي انه يشرب في جميع ايام الاسبوع من عدا يوم الخميس والجمعة وكان الخليفة الواثق ادمن الشراب غير انه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة ولا يومها هذا ما ذكره الجاحظ عن شرب الخلفاء للخمور ويذكر الاصبهاني ان الواثق كان يغني ويشرب وكان ميالا الى الذهاب الى حانة الشط هو وجماعته للشرب وكان قد بنى حانة له داخل قصر الخلافة لقد اهتمت بعض المصادر بتصوير هذه النواحي لدى البغداديين وسجلت العديد من مظاهر المجون البغدادية بما فيها حكاية ابي القاسم البغدادي التي تتحدث عن مباذل البغداديين في القرن الرابع الهجري فلقد اصبحت بغداد احد مراكز تجارة الرقيق الرئيسة واعتبرت الخمرة احدى اللذات وفي ذلك يقول ابو نواس:-
نَعّم شبابك بالخمر العتيق ولا

تشرب كما يشرب الانمار من ماذي

وقد اتاح المناخ المتحرر انتشار مجالس الشرب في بغداد حيث تداول شعر المجون واطلق اصحاب المجون على جماعتهم اسم الفتيان حتى ارتبطت الخمرة بالفتوة وجعلوا لمجالس الشرب ادابا وترك لنا الجاحظ صورة عن ذلك على لسان معلم للفتوة اذ يقول لهم- إحسنوا التدبير في جودة النبيذ- وتذلبت جلسات الشرب حسن اختيار النديم والساقي وقد وصف احدهم احدى جلسات الشرب في خمارة بغدادية ضمت مطربة حوراء وكؤوس الراح تدور عليهم لامعه كنجوم الدجى واكتسب الساقي اهمية خاصة في جلسات الشاربين حتى ان ثمن شراء ساقي بلغ الف دينار والساقي المرغوب هو النحيل الاهيف المقدود كالغصن وفضلوا السقاة النصارى واليهود وقد امتازت خمور محلة الروم بغلائها وغالت بعض الحانات باسعار الخمور ومنها ما تقدم الخمر مجانا كالخمور التي تقدم في دير قوطا لكن الغالب غلاء اسعار الخمور وقد تعرضت بعض الحانات للمصادرة من قبل السلطة التي تبحث عن المال وتعرضت حانات بغداد للسرقة وتعرضت لنقمة المحتسب الذي اراق خمورها وكسر طبولها وكانت بعض الخمور يداخلها الغش وفضل اهل بغداد نبيذ الزبيب على نبيذ التمر وكانت العامة من اهل بغداد تستهلك الانواع الرديئة من الخمور فيما كانت طبقة الخاصة تستهلك اجود الاصناف وكان ابن المعتز وابو نواس يفخران بشرب الخمرة المعتقة ومن صانعي الخمر الذين برعوا اكثر من غيرهم شخصان احدهم اسمه احمد بن موسى والاخر مفلح وتفننوا في بيع الخمرة حتى ان اسحاق الواسطي كان تاجر خمرة في بغداد يضع على فوهة الزجاجة كاغدا وخاتما كتب عليه اسمه واسم الشراب اما بالنسبه للخمارات فانها قامت اول الامر في كرخ بغداد ولم تلبث ان انتشرت في البساتين المحيطة ببغداد بعد ان اصبحت الكرخ منطقة مكتضة بالسكان وكثرت في البساتين القرببة من الاديرة حيث يمكن للشاربين ان يشتروا خمورهم وكان انتاج الخمور محصورا باهل الذمة لاسباب دينية بالنسبة للمسلمين وسبب اختصاص اهل الذمة بصناعة الخمور يعود الى ان بغداد غنية بانواع العنب الجيد الذي تنتج منه الخمور الراقية وانتشرت المواخير في ضواحي بغداد اولا ثم في محلات بغداد المأهولة واسواقها في الكرخ وباب الطاق وسوق العطش وكانت تضم القيان من مغنيات وراقصات وندمان وغلمان ومخنثبن الذين كانوا يضفون على مجالس الشرب حللا من التهتك واصبحت خمارات بغداد محجة اللاهين من سكان المدن الاخرى اما المتحرجون فكانوا يتناولون الخمر في بيوتهم ويذكر الحموي كيف ان الوزير المهلبي يدعو ثلاثة قضاة ويجتمعون عنده فاذا طاب المجلس ووضع في يد كل منهم طاس من ذهب مملوء شراب قطربليا وهو ارقى انواع الشراب ويتولى كل واحد منهم غمس لحيته وينقعها حتى تشرب ثم يرش بعضهم على بعض الشراب ويرقصون .

مقالات ذات صله