بين القدسية والصرامة … العالم السري للكتاب والطقوس الغريبة للمبدعين

بغداد_ متابعة

النص الذي يخرج إلى القارئ، تصحبه معاناة لا تبدأ بالفكرة التي يبحث عنها المؤلف، وهناك من يلتقط أفكاره من الطرقات كما قال الجاحظ قديما، أو من على المقاهي كما كان يفعل نجيب محفوظ. بل إن المعاناة تتلاحق أيضا في أوقات الكتابة التي هي مختلفة وتكشف أنّهم في الكثير من الأحيان يعملون ضد نواميس الطبيعة وفي أحيان أخرى يعاركون الوقت والظروف حتى تخرج إبداعاتهم كما يشاؤون.

كان نزار قباني لا يستخدم إلا الأوراق الملونة، وجمال الغيطاني لا يكتب إلا بقلم فاخر كان من إهداء الكاتب محمد حسنين هيكل، في المقابل تجد أن كتاب الغرب يتميزون بالبساطة، فمعظم من شملهم التحقيق يميلون إلى الكتابة على الأوراق باستعمال قلم الرصاص، وينفرون إلى حدّ السخط من الكمبيوتر.

من الأدباء ما جعل الأدب بمثابة المهنة الرسمية لا في إضفاء عائد عليه، وإنما كوقت يحتاج للقداسة، ومن هؤلاء كان نجيب محفوظ، الذي عمل موظفا رسميا واكتسب من عمله على اختلافه الالتزام. فكان يكتب كل يوم في وقت محدّد من الساعة 4 إلى 7 باستثناء أيام الجمعة التي يخصصها للقاء الأصدقاء، هذا قبل تقاعده، ويلتزم بكل مستلزمات العمل الرسمي فيرتدي الملابس الرسميّة وكأنّه في عمل.

عادة الجلوس على المكتب إذا كانت تروق للبعض فإنها لا تروق للكثيرين، فالكاتب الأميركي أرنست همنجوي يكتب وهو واقف، في حين أن الشاعر الأميركي من أصل صربي تشارلز سميك، كان يكتب وهو في السّرير، وأحيانا على الأرض واضعا وسادة عالية يتكئ عليها. أما الكاتب الروسي تولستوي فكان يملي ما يودُّ كتابته على عاملة الاختزال، ومن هنا بدأت علاقته بزوجته آنّا جريجوريفنا التي كتبت مذكرات عن حياتها معه.

وعدم التقيّد بالمكان كان السمة المميزة لكاتب الخيال العلمي، فراي برادبوري صاحب “فهرنهايت 451”، على حدّ قوله، “يستطيع الكتابة في أي مكان، لا فرق بين غرفة النوم وقاعة الأكل، حيث يذكر أنه عندما كان في طور النضوج قد كتب في عدة أماكن مختلفة”.

على الرغم مما وفّرته التكنولوجيا الحديثة من تقنيات سهلة وحديثة وأسرع في عملية الكتابة، إلا أن الكُتّاب مازالوا يميلون إلى التقنيات القديمة، حتى يبدو أن ثمّة ارتباطا أو علاقة من نوعٍ خاص بينهم وبين الورقة والقلم مُقابل الكمبيوتر والألواح الرقمية. فالكاتبة أيريس مردوخ كانت تكتب بطريقة تقليدية عبر استخدام الورقة والقلم ولا تستخدم الكمبيوتر، وبالمثل كانت تفعل الكاتبة الأميركية توني موريسون، التي تكتب بقلم الرصاص ولا تستعين بالكمبيوتر إلا لتبييض النسخة الأولى، وإن كان ثمة طقس آخر حيث تكتب فجرا قبل أن يستفيق أطفالها. ويعلن شينو أتشيبي الروائي النيجيري عن أنه بدائي جدا في وسائل الكتابة، فهو يلتزم بالقلم والورقة أثناء الكتابة، على العكس تماما من خوزيه ساراماغو، حيث يكتب رواياته مباشرة على الكمبيوتر، مثله مثل الأفغاني خالد حسيني.

ثمّة عادات معينة أشبه بمتلازمة للكتابة كممارسة رياضة المشي قبل الكتابة، فبول أوستر صاحب “اختراع العزلة وثلاثية نيويورك” يعشق المشي، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأسترالي توماس كينلي الذي يرى أن ساعة وخمس دقائق من المشي ضرورية قبل الكتابة. وعلى حد وصف أحد الكتاب، فإن جون ماكسويل كوتزي الكاتب الجنوب الأفريقي، يظل “رجلا يمتلك التكريس والانضباط الذاتي في عمله مثلما يفعل أكثر الرهبان تزمتًّا، فهو لا يتناول المشروبات الكحولية ولا يدخنّ ولا يأكل اللحوم ويمضي مسافات طويلة بصحبة دراجته الهوائية بغية الحفاظ على لياقته البدنيّة ويعمل لساعات مُحدّدة مِن صباح كلّ يوم إلى سبعة أيّام في الأسبوع”، وَيُعرف عنه ابتعاده عن الأضواء والمؤتمرات الصحافيّة إلى حدّ أنّه لم يستلم شخصيا أيا من جوائزه مثل جائزة البوكر التي حصل عليها ولم يعرها اهتماما.

مقالات ذات صله