بمناسبة الاحتفاء بمئويتها: لماذا أطلقت فدوى طوقان القلم في سيرتها الذاتية، وأخفت رسائلها؟

بغداد_ متابعة

نتيجةً للتحولات المعرفية والجمالية التي أطلقتها حركة الشعر الحُر، وتفاعلت على إثر السجال الذي خلقته في المشرق والمغرب، وجد الشعراء المحدثون في السرد طريقة مواتيةً للتعبير عن أفكارهم وآرائهم الخاصة بالشعر الجديد، فشرعوا يكتبون نُصوصًا ورسائل وشهاداتٍ وبيانات عن تجاربهم الشعرية، لم تكن تخلو من بعد شخصي وسيرذاتي.

وضمن هؤلاء الشعراء، نجد الأصوات بصيغة المؤنث، حظها من السيرة، سيرة الذات وسيرة القصيدة، نادرة إذا قيست بغيرها؛ فمثلًا، لم تهتم نازك الملائكة (1923-2007) – رغم ريادتها الحاسمة – بالتأريخ لتجربتها في كتاب مستقل، وإن كانت تركت أمشاجًا من هذه التجربة بين مقدمات مجمل مجاميعها الشعرية، وكشفت بعضها على استحياء في «لمحات من سيرة حياتي وثقافتي». وقد استطاعت حياة شرارة أن تختلس «صفحات من حياة نازك الملائكة» كانت ستظل مطوية في كتاب المجهول.

ومثل نازك إلى حد ما، كانت الشاعرة فدوى طوقان (1917- 2003) نفسها ميالةً إلى مصادقة النفس والعزلة والتوحد، جادة وقليلة الكلام. فقد اعتكفت على عالمها الداخلي ومشاعرها الخاصة، بعد أن توالت عليها المحن في حياتها؛ إذ توفي والدها ثم أخوها ومعلمها إبراهيم طوقان، وأعقبت ذلك نكبة فلسطين 1948، ما ترك أثره البارز في نفسيتها وانعكس على باكورة شعرها «وحدي مع الأيام» (1952). بعد ذلك عُرف عنها نشاطها الثقافي والنضالي، ولاسيما بعد نكسة 1967، جنبًا إلى جنب محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي وغيرهم، ثم سرعان ما انقطعت عن العالم الخارجي لسنين طويلة. وفي لحظة من الزمن، جرى قلمها بتدوين سيرتها الذاتية ونشرها على شكل حلقات بين أكتوبر/تشرين الأول 1983 وأغسطس/آب 1984؛ أي في وقت متأخر من عمرها. وكانت السيرة مفاجئة لكثيرين، ولقيت استحسان من قرأها، فلم يمنعها المجتمع الذكوري المحافظ الذي نشأت فيه من أن تكشف عن جرأة مدهشة في البوح والاعتراف. كذلك كتبت فدوى الرسائل ونفست بها عن جروحها الداخلية. ولم تكن كثيرة الظهور في وسط الصحافة الأدبية؛ إذ لم يزد عدد الحوارات التي أُجريت معها بين عامي 1962 و2003، بالكاد على العشرة.

تُعد فدوى طوقان من الشاعرات القلائل اللائي اهتممن بفن السيرة، بل قدمتْ، في نظر رجاء النقاش، «شيئًا جديدًا هو التعبير بصدق وصراحة عن هموم المرأة العربية». فقد أصدرت الشاعرة ـ تِباعًا- جزءين من سيرتها الذاتية، حكت في أولهما المعنون بـ«رحلة جبلية رحلة صعبة» (1985)، ذكريات طفولتها التي توزعت بين بيت العائلة الذي تحول إلى سجن بعد أن فقدت فيه الدفء، والمدرسة التي عرفت فيها مذاق الصداقة وأشبعت الكثير من حاجاتها النفسية التي ظلت جائعة في البيت، حتى صارت المكان الأحب إلى نفسها، ثُم مشاهدات عن طبيعة نابلس الخلابة والمباهج الموسمية مع علياء رفيقة طفولتها. وفي أوائل الستينيات، سافرت إلى إنكلترا وأخذت دوراتٍ مكثفة في اللغة الإنكليزية في جامعة أكسفورد العريقة، واكتشفت المتاحف والمسارح والمتنزهات والأرياف والساحات، وأعجبت برقي هذا البلد ونمط حياة أهله وحضارتهم. وعندما عادت، بعد عامين، إلى مدينتها نابلس وجدت الضفة الغربية قد سقطت بيد الاحتلال في حزيران/ يونيو 1967، فصدمت وقلبت صفحة جديدة من شعرها الذي كان دائم التأثر بالتحولات المأساوية المستمرة في فلسطين منذ اشتعال الثورة عام 1936، وأحيانًا كان شعرها يعجز حتى وهي في حالة الفوران العاطفي. في سردها لهذه الذكريات التي استغرفت طفولتها وشبابها وبواكير تجربتها الشعرية، وجدت فدوى طوقان نفسها في خضم مشاعر متناقضة وسط مجتمع نابلس الذكوري وبيئته الاجتماعية المحافظة، وعائلة كثيرة العدد أذاقتها الحرمان والقسوة والظلم.

وقد قادتها هذه الطفولة المعذبة إلى الانطواء على النفس والعزلة والاستغراق في أحلام اليقظة، التي كانت تُحلق بها خارج أسوار البيت/ السجن. ووسط الشعور الذاتي الضاغط والساحق بالظلم، تولدت في نفسها رغبة الانتحار، لممارسة حريتها المستلبة والانتقام من ظلم الأهل، وصرفها عنه البحث عن بديلٍ طبيعي مُتسامٍ تتجاوز به أو يرتفع بها عن إكراهات المعيش اليومي، فمالت فدوى إلى العزف والغناء، إذ وجدت فيهما «تعبيرًا ومخرجًا رمزيا لحاجاتي العاطفية المكبوتة». مثلما اكتشفت، بميلها الفطري، فن الشعر الذي أكمل مهمة إطلاق الطاقة الحبيسة في داخلها. أخذت تتعلم الشعر سرا وتتلقى لحظات إلهامه الأولى وإيقاعاته الموحية، وكان ذلك يساعدها على التماسك والتوازن الذاتي. ووجدت الشاعرة في شقيقها الشاعر إبراهيم طوقان ملاذها الوحيد الذي حررها من كل المنغصات، أو- بحسب تعبيرها- «المصح النفسي الذي أنقذني من الانهيارات الداخلية». لقد مثل لها الأمل وبناء الثقة. فجعت فدوى بموت أخيها مُبكرًا، إلا أن العواطف والقيم التي غرسها في نفسها أخوها بقيت تتجدد في حياتها وشعرها معًا.

إن ما عايشته الشاعرة وخبرته في مسقط رأسها، الذي نعتته بـ«بلد التعصب والتقاليد العتيقة»، وتستعيده في سيرتها بمرارة وشعور بالظلم، يكشف كيف تحولت أطوار حياتها كأنثى إلى معركة للكفاح المرير من أجل بناء الشخصية وإثبات الذات وتحرير معنى جسدها، ولن يكون شعرها إلا ناتجها والمُعبر عنها على نحو أصيل وخلاق؛ وقد سوغت غايتها الأسمى من كتابة سيرتها الذاتية بقولها: «وهي أن الكفاح من أجل تحقيق الذات يكفي لملء قلوبنا وإعطاء حياتنا معنىً وقيمة». لهذا، تعترف بأنها لم تفتح خزانة حياتها كلها، إذ ليس من الضروري أن تنبش كل الخصوصيات صونًا لها من الابتذال، فما كان تسعى إليه في سيرتها الذاتية هو جانب الكفاح في شخصيتها التائقة إلى الانطلاق خارج «زمان القهر والكبت والذوبان في اللاشيئية» وسجن البيت. وبموازاة مع هذا التوق النفسي والفكري لدى الشاعرة، فإنها سعت باستمرار إلى تجديد أسلوبها الفني بشكل يستجيب لدواعي الانطلاق والتحرر، ويفسح المجال لخطاب الإفضاء والبوح في كتابتها الشعرية، ابتداءً من الشكل التقليدي فالرومانسي ثُم التفعيلي، بحيث أمعنت في الشعر العاطفي والغنائي الشجي، الذي تعبر عنه تراكيب عفوية بسيطة وصورٌ مجازية واستعارات بديلة كما تجلت، بوضوح، من خلال عناوين دواوينها: «وحدي مع الأيام»، «أعطنا حبا»، «أمام الباب المغلق»، «اللحن الأخير».

في هذا الإطار، تتسم كتابتها السيرذاتية بجرأة نادرة وصدقٍ لافت للانتباه وحس شاعري مرهف، وهو ما غذى سيرتها بشفافية البوح. وهذا ما يمكن اكتشافه تحديدًا في متواليات من الخطاب النسواني الذي يعبر عن رغبة الشاعرة في البوح بعاطفتها وحُبها، والتمرد على تقاليد المجتمع البالية ونقد عيوبه وتفاهاته. وهذا الخطاب لا يخص الشاعرة وحدها، بل جيلًا بأكمله من نساء تلك المرحلة وبعدها. فهي استطاعت، في الكثير منها، أن تتعمق أغوار نفسيتها وتكشف لنا عن أسرار نفسها. لقد عبرت فدوى عن شؤونها الذاتية كأنثى بوضوح وشفافية في مجتمع ذُكوري الثقافة، و»لا تحتاج ثورة المرأة ـ كما قال محمود درويش- على سجنها إلى نظرية، فمن حسيتها يتشكل وعيها الأول بذاتها. وهكذا كانت رحلتها الجبلية، تفسيرًا لخلفية شعرها الرومانتيكي المبشر بتمردها على ما أعدت لها «الرجولة» من مصير. وهكذا ارتبط شعرها، منذ البداية، بإعلان حقها في الحب، أي حقها في الحرية».

في «الرحلة الأصعب» (1993)، وهو الجزء الثاني من سيرتها الذاتية، يغيب الذاتي الشخصي والحميمي، وكأن فدوى طوقان شغلها الاحتلال الإسرائيلي عن نفسها، وأرادت من سيرتها في سردها ذي النفس السياسي والتوثيقي أن تكون شهادة جيل على وقائع المأساة الفلسطينية بفصولها المريرة وخيباتها المتكررة حتى بداية التسعينيات من القرن الماضي.

مقالات ذات صله