بلورات الملح تدفع بملكات السواد لعشقها رغم الجراح

بابل -التفات حسن

لوحة طبيعية إمتزجت فيها الخيوط الذهبية بانعكاس أشعة الشمس في المناطق شمالي محافظة بابل مع بياض الأرض إذ شكلت بلورات ملحها مع ملكات السواد مملكة وعرشاً قد لا يعرفه الكثيرون… عالم من الجراح المؤلمة وأنامل تتقيح لتروي عطشاً وتسد رمق الجائعين انه عالم الباحثات عن الحياة في البرية يتسابقن مع شقشقة الفجر للذهاب إلى بلاطهن الأبيض لكسب قوتهن.

على طول الطريق الرابط بين شمالي بابل وجنوبي بغداد يشاهد المار مسطحات ملحية وهناك فراشات سوداء تعمل بهدوء يعملن في جمع الملح وعندما تقترب منهن ترى متعة العمل وابتسامة ملؤها الصدق والمحبة.

ملكات في بلاط البياض

بضحكات تملأ فمها تقول ( أم جبار،55عاماً) لـ (الجورنال) لدي 11 طفلا وزوجي مزارع يعمل معي في الملح رغم صعوبات الحياة مازلنا نحب بعضنا ونأمل نضمن مستقبل أولادنا، مبينة أن” فرحتنا لا تنتهي  بأرضنا المالحة التي نعشقها كونها تدر علينا أرزاقنا”.

وأضافت أم جبار أن” عائلتها تملك 300 متر من الأرض توجد فيها كميات كبيرة من المياه الجوفية تنتج الملح وتقوم بجمعه مع نسوة من عشيرتها كل 45 يوماً”.

وتضيف أنهن” يخرجن من الفجر ويجمعن الملح بأكياس صغيرة وتباع على أصحاب المعامل عملنا صعب جداً رغم الآلام والجروح التي نجنيها من الملح لكننا نعشقها حتى الموت”.

وتحكي بسعادة غامرة الفتاة أزل حسين حمزة /18 عاما/ لـ (الجورنال)” لا نكل ولا نتعب عندما نعمل في الملح حيث أن الله وتعالى أكرمنا بوفرة المياه الجوفية ما يجعل الأرض تمتلئ بالملح وعملنا يومياً نتعرض لكثير من الصعوبات لكن ما يبهجنا حينما نجتمع معاً، وعند الظهيرة كل واحدة منا تحكي مشاكل منزلها وماذا تحتاج من مساعدة كجمع الحطب أو جلب الطحين للخبز حياتنا ممتعة للغاية الكثير من الناس يستغرب كيف نعمل ووجوهنا ضاحكة وبصراحة نحن رأينا أمهاتنا تعمل في هذه الأرض ولذا نحترمها ونكن لها الحب لكي تعطينا أكثر”.

وتبين أزل أن” أكثر من 15 كيسا نقوم ببيعه يومياً على أصحاب معامل الملح عملنا لا ينحصر في موسم محدد وإنما نعتمد على كثرة المياه الجوفية حيث أن أراضي قضاء المحاويل تتميز بكثرة المياه الجوفية ما ينتج عنه الملح بمساحات واسعة ونقوم بجمعه وبيعه”.

وننتقل للعاملة الأرملة أم حسين من أهالي جبلة /41 عاماً/ تروي لـ (الجورنال) إن” زوجها وأبنها البالغ من العمر 15 عاماً قتلوا على يد جماعة إرهابية إثناء عملهم في جمع الملح في ناحية جبلة كونهم من (الشيعة)، مبينة أنها” لها عائلة كبيرة لديها 6 فتيات لم يتزوجن حتى الآن”.

وتضيف أم حسين بنظرات مليئة بالحب واليوم السعيد” نحن نحرص على عملنا هذا رغم الجروح التي نكتسبها من هذه الملوحة لكن بنفس الوقت نحن سعيدات ونعيش بجنة نملك الصدق والإيمان ما لم يملكه احد لا نكترث لما يجري في العراق من أوضاع سياسية أو اقتصادية النعمة جارية وخير الله وافر بألطافه علينا”.

إلى ذلك تروي جدة القرية المشرفة على عملهن أم عبد الإله الشمر/100 عام / لـ ( الجورنال) إنها ” عاشت أياماً جميلة في أرضها وقد أحبت أحد وجهاء ناحية جبلة وتزوجت منه وأنجبت 8 أولاد تزوجوا واشتروا هذه الأرض وأنعم  الله علينا بوفرة الزرع والملح واحتفظنا بكل شيء قديم”.

وأضافت الجدة أنني” أحزم إغراضي من الفجر وأرافق النسوة لأراقب عملهن في جمع الملح وعند ملاحظاتي وجود طين أو أتربة في الملح اجبرها على تنظيفه مرتين لأن أصحاب المعامل حريصين على نظافة الملح من الأتربة والطين”.

وتشير إلى أنها” كانت تعيين النساء اللواتي فقدن أزواجهن بالحرب الطائفية التي حدثت في عام 2007 و2006 كنت أراقب ماذا يجري وأقوم بجمع المال من أجل إعانة الأطفال والنساء وأطلب منهم بعدم إظهار الضعف وترك الأرض لأنها(ميدالية ذهبية) لابد الحفاظ عليها مهما كانت الصعوبات، لافته إلى أن” الارهابين كانوا جبناء لا يمرون من قرانا وإنما يستغلون الفرصة لقتل واحد من رجلنا وعندما نخرج في الصباح يهربون لأننا نحمل أسلحة معنا “الرشاشة” ولهذا كانوا يخافون الاقتراب منا ومن أرضنا”.

 

وتبين العاملة أم علي / 39 عاماً/ لـ (الجورنال)إن”الدرامي والأغاني الشعبية لا يفارق الجدة أم عبد الإله يدفعنا لشق عملنا رغم أن الملح يصيب العاملات بجروح وحساسية شديدة، إضافة إلى أمراض جلدية كاحمرار بأجسامنا بسبب العمل بجمع الملح لفترة طويلة”.

وتضيف أنها عندما تسمع درامي الجدة يتناسين جروحهن وشدة الملوحة ويعلو الفرح والحب والعشق للملح”.

أصحاب معامل الملح

يقول مسؤول معمل الكوثر الأهلي ماجد مهلل الجبوري لـ (الجورنال) أنه” يأتي من محافظة الديوانية إلى شراء الملح من ناحية جبلة كونه نظيف والنساء العاملات يعملن بإخلاص كبير، مبينا أن” العمل مع النسوة الملح ممتع  للغاية يعود لأن اغلبهن يحاولن صناعة حياة رغم الجراح ورضائهن بالقليل يدفعنا للتعامل معهن”.

وأضاف، أنه” يمر يومياً عليهن وهن يتابعن العمل دون تعب كما أنهن يدبرن عمل المنزل وتربية المواشي ويدرسن أولادهن ويحفزن الفتيات على مواصلة العلم، فضلا عن جمع الملح في ساعات الفجر وتحمل شدة برودة الطقس وجروح الملح”.

 ويشاطره مدير معمل الروضتين في بابل وسام مهدي ألأسدي قائلاً لـ (الجورنال)إن” يمتلكن علاقات اجتماعية واسعة ووجهاء وشيوخ عشائر قضاء المحاويل يحترموهن حيث أغلب العاملات في الأراضي المالحة هن نساء ناجحات وقائدة تحمل معنى الوفاء”.

ويشير إلى أن” العمل في أراضي الملح جدا متعب كونه يحمل الكثير من الجروح والآلام  التي تسبب  بالفطور الجلدية والتعب والإجهاد  جمع الملح لساعات طويلة من اجل إرضاء الزبون أو صاحب المعمل “.

وأوضح أن” المبالغ التي تدفع لهن بخسه ولا يقابل الجهود الكبيرة التي تبذل من قبلهن حيث أن سعر كيس الملح يصل إلى خمسة ألاف دينار وبعض الأحيان إلى ستة ألاف دينار كذلك أيضا أصحاب معامل الملح لا يجنون إلا مبالغ جدا قليلة مقابل الجهود التي تبذل من اجل أملاح مطابقة لشروط الصحية”.

هكذا تستمر قصة البلاط الأبيض حيث تغمر الأرض بمسطحات ملحية مصدرها المياه الجوفية لتصبح مصدر قوت لنساء يتسابقن على لقمة العيش مغمسة بالآم وجراح امتزجت بملح الأرض .

مقالات ذات صله