بعد غياب القانون والسلم الاهلي.. مكاتب للروحانيات والسحر الاسود…!

فؤاد العبودي

في ظل مجتمع تزعزت فيه أركان ومقومات الاستقرار وغاب السلم الاهلي ومعه القانون بين الناس برزت ظواهر عديدة.. لم تكن موجودة في سابق العهود.. وأن وجدت.. فربما كانت بشكل خفي. من بين هذه الظواهر انتشار مكاتب الروحانيات والسحر الاسود، الامر الذي يستدعي التساؤل الذي لابد منه ..هل وصلنا الى مرحلة غاب فيها الوعي الجمعي بحيث بدأ المواطن يتوسل شتى الطرق الكفيلة بنزع غطاء العتمة وابعاد القلق الذي اصبح يعيش ضمن اطاره وفي عصر بات فيه القانون أخر شيء يتحدث عنه الناس.. أسأل احد كبار السن الذي فضل عدم ذكر أسمه .. سألته ..هل وصلنا الى علاج لأدواؤنا بالسحر والشعوذة : أجابني الرجل وهو يهز يديه أسفاً: – هذه واحدة من الظواهر الشاذة ..ولا تلوم المواطن . فقد أغلقت امامه جميع الابواب ..بما فيها باب الامل بالرجوع الى الزمن الجميل..  باب عاطلون ..متقاعدون يئنون وطأة استقطاع رواتبهم .. لذلك فمن الطبيعي استفحال مثل هذه الظواهر التي تبرز من بينها مكاتب الروحانيات ونسوة السحر الاسود في بيوتهن ولهن وسيطات يعقدن الصفقات المشبوهة اضافة الى شيوخ يدعون معرفة الغيب (استغفر الله) ! ويعقب هادي الفتلاوي:  كان الناس في عقود مضت يكتفون بقارئ الكف .. او قراءة الفنجان .. لكن الان نحن امام تجارة يطلقون عليها (الروحانيات) وهي أبعد ما تكون عن الروحانيات ويا ليت صحيح روحانيات . • معنى هذا أن الامر خطير ..هل من حل امام هذا الطوفان الخرافي ؟ – اذا كان خطيراً فهو فعلا كذلك .. لكن الحل مفقود بعد ان دخل الناس في نفق الضياع ووصولهم الى حالة من اليأس القاتل . فبدلاً من ان يحمل التغيير بعد العام 2003 عالماً مزدهراً وخطوات للبناء والتعمير كما ادعى حكام الصدفة على عكس ذلك أحال الناس الى شبه أجساد متهالكة ونفسيات مدمرة تبحث عن شيء من بصيص الامل للخلاص من الواقع المرير الذي وجدوا انفسهم فيه مكبلين بقيود ما أنزل الله بها من سلطان.

أم رشا موظفة ..في العقد الرابع من عمرها، تحولت بين ليلة وضحاها الى وسيط بين النساء وبين العرافات ..استدرجتها بحكم علاقة الجيران ..وطرحت عليها مشكلتي بأنني اعاني من ضياع نفسي جعلني لا اشعر بأي طعم للحياة.  قالت : هناك نسوة عرافات يقمن بالواجب . تعنين عمل سحر ؟  استنكرت ( ام رشا ) كلامي وسرعان ما ردت ..” لا خويه ” الله يبعدنا عن السحر . طيبت خاطرها لأنها حاولت تركي . توسلت بها قائلا لها ” ألم اقل لك انني اعاني ضياعا نفسيا ولا ادرك ما اقول !” ابتسمت وانفرجت اساريرها لتقول : هات واحد من قمصانك ..او تي شيرت .. والنتيجة ان شاء الله في صالحك . في اليوم التالي جلبت لها ما طلبت ……أخذته مني بسرعة لتدسه في كيس نايلون اسود .. وعدتُ لأقول لها : انا عجزت تماما واخشى ان اصبح مجنونا بالقريب العاجل .. عقبت لتقول : لا ..لا تقول ذلك ..سلامات .. اعتمد علي وستكون القضية حلوة !! ضحكت وقلت : ما تعنين بحلوة ؟ العرافة صاحبتك ام قضيتي ؟  ردت ام رشا قائلة : لا بالتأكيد قضيتك ..!! غادرتني وهي تحدجني بنظرة استشفيت من خلالها انني في وضع يرثى له .. فقد اموت حزنا او جنونا وتذكرت “النذر ” الذي قطعته امي ببراءتها وعفويتها لابي الفضل العباس لكي يحميني من الملاريا عندما كنت في الثامنة من عمري . من وراء الغيب .. قد نذرتك يا ولد .. لأبن بنت رسول .. تحكي الدموع ..  متى الرجوع ..

عندما توجهت الى مكتب ( …..) القريب من ساحة الاندلس .. دخلت وكان السكرتير يصوب نظراته نحوي .. سلمني كارتا دوّن فيه اسمي .. ومن ثمة طلب مني الدفع مسبقا . دهشت لطلبه .. وسألته لماذا الدفع مسبقا ..فقد اكون سائلاً اكثر مما انا مريض او ما شابه .. هز رأسه قاطعا الشك باليقين ليقول : – هذه طريقتنا وتعاملنا . أحاطني الصمت ..وقلت له ..سأمر عليك غدا ! – براحتك اخي .. كان هناك جمع من الناس جالسين وكأن الطير فوق رؤوسهم ..ينظرون بعيون لا تستقر نظراتها على شيء …الاحاديث بينهم مقطوعة .. كل ينتظر دوره ..وتحمل ايديهم بطاقات الدخول ..والله اعلم ماذا سيدور في داخل صومعة الروحانيات . الحكومة تدرك جيدا وتعرف ان هذه المكاتب موجودة وقائمة بعلمها وبعلم الداخلية والامن الوطني وتتذرع ” الحكومة ” بأن لكل داء دواء حسب اعتقاد العباقرة من ازلامها . وظنا منها ان افضل شيء لأيقاف ألسن الناس من القذع والنقد هو هذا البحر من السباحة في عوالم الغيبيات ” دعهم لاهون بهذه الامور “..أما مواطنونا ..فهم بدلا من البحث عن الشيء المفقود في حياتهم بعد التغيير هو ايجاد مرسى أمن من الاستقرار ..بعد ضياع في متاهات عديدة وقلق الراحة . يشير الشاب ” مازن الكعبي ” الى ان ما يسود الان في المجتمع من امور تدخل في الغيبيات هو هروب من الواقع وألا فما الذي يدفع المواطن لصرف الاف الدنانير على شيء مجهول ” صدق او كذب ” لا يعرف ذلك اطلاقا . فضلا عن حالات الطلاق الكثيرة التي تعج بها اروقة المحاكم ..مما دفع العديد من النساء وهن في اعمار صغيرة ” ولادة التسعينيات ” الى نشدان عمل السحر او ما يشبه ذلك لأستعادة رابطة العلاقة وعودة الازواج . ولكن ..! سنظل ندور في دائرة مغلقة .. بين ” تطنيش الحكومة ” وسلبية المواطن تجاه ما يمر به وطننا . في زمن مضى .. كان الشكل في مراجعة ” السحارين ” محفوف بالمخاطرة الذاتية ..وربما كانت نظرة الناس لأولئك الذين يراجعون تستهجن ذلك . ونتيجة لاستقرار وانشغال الناس في العمل خاصة خلال فترة السبعينيات وهي الفترة الذهبية في حياة المجتمع العراقي ..لم يكن احد يفكر بالذهاب الى دور المشعوذين والعرافين . الناس تعودوا على انتظار المخلص .. هكذا درجوا على تلك الوسيلة ..لهذا اخذهم النوم عميقا لخلاص انفسهم من رقة عهد وحكم لا يمت أليهم بأي صلة كانت .. فكان باب السحارين والمشعوذين أقرب أليهم حسب اعتقادهم الى ما يرومون . حسين الطائي .. فنان يحدثنا قائلا : والله يا أخي ..حال الناس لا تسر فماذا يفعلون ..أذ ترى أولادهم بلا تعيين ..والنساء مطلقات ..الحالة الاقتصادية متدهورة . ماذا تريد ان يعملون سوى التوجه الى من يقرأ لهم طالعهم . ويضيف ” هل تدري ” ان الشاب في وضع مثل وضعنا أمامه خياران ..اما المكنسة او السلاح ! – ماذا تقصد ؟ • يجيب قائلا ..اما يعمل منظفا بالشوارع او ينخرط بالجيش والشرطة ..طبعا هذا اذا تم تعيينه .

مقالات ذات صله