بعد طلاق زوجاتهم ..رجال يعيشون حياة الضياع والتشرد

بغداد_ متابعة

اعتاد مجتمعنا أن يتعاطف مع المرأة المطلقة وربما يصب جام غضبه على الرجل كونه قد أسرف في إلحاق الضرر بزوجته الى درجة انه قد تركها بدون معيل، وتناسى المجتمع معاناة الرجل المطلق، أولها ضياع الأسرة والعيش بعيدا عن الانتماء لها، أما إذا كان للرجل المطلق أطفال فالمعاناة تزداد هنا ليس للزوجة فحسب بل للمطلق ايضا وتتشعب هذه المعاناة وتتنوع أقلها بعده عن أطفاله ورعايته لهم، الى جانب مشكلة السكن فالبيت من حق المطلقة لمدة ثلاث سنوات كما نص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، أما السكن في الفنادق فأمر لم يعرفه مجتمعنا لعدة أسباب.

يتحدث المطلق (ك م) عن ورطته بعد أن طلق زوجته وأم أطفاله، لأنه تزوجها بعد حب عاصف لم تقف أمامه كل العقبات أهمها الفوارق الاجتماعية والثقافية لأنها من وسط اجتماعي ثري، فقد جمعهما مقعد الدراسة الجامعية كان يشعر إزاءها في بداية الأمر بالكراهية حد (القرف).

يقول المطلق: “كنت أجد فيها الفتاة المتعجرفة والمدللة فقد كانت تتحدث عن كلبها وكأنها تتحدث عن شخصية مرموقة، وكنت من بيئة فقيرة فوالدتي كانت أرملة وقد ربتنا بعرق جبينها وعملها في إعداد رغيف الخبز لزقاقنا الضيق في محلة عرفت بحي خاص بالفقراء، إلا أن تلك الكراهية وذلك القرف انقلب الى حب جارف لم يعرف الحدود والفوارق وتزوجنا برغم أنف العائلتين ولم يقف بوجه حبنا لا ثراء أهلها ولا فقر أهلي، حتى ان زملاءنا في الكلية كانوا ينظرون الى حبنا بأنه أسطوري، أنجبنا طفلنا الأول ثم الثاني والحياة تسير بنا من سعادة الى هناء.

وأضاف “بعد ذلك تغيرت عادات زوجتي وبدت لي متغطرسة وعصبية تصرخ بوجهي لأتفه الأسباب بل صارت تشتمني بسبب وبدون سبب وأمام أطفالي وفي يوم احتد الجدال بيننا فرفعت يدها بوجهي فما كان مني إلا أن رميت عليها الطلاق وخرجت من البيت، ولكن أين أذهب فقد توفيت والدتي وتزوج اخوتي كلهم، ذهبت الى بيت صديقي الأعزب فوجدته مجرد فوضى وبدأت أشعر بالحنين الى أطفالي وخاصة للكبير الذي صار عمره عشر سنوات وفي الصف الرابع الابتدائي، ذهبت إليها لكي أرى أطفالي فطردني شقيقها، ذهبت الى مدرسة ابني فأخبرني المدير باستحالة لقاء ابني بطلب من والدته، وجدت نفسي في ورطة فلا بيت لي ولا أبناء، كما أن راتبي على قلته قد خضع الى الاستقطاع من نفقة وحضانة للصغار، طلب مني الأصدقاء أن أذهب إليها لأعتذر لكن كرامتي كرجل وزوج أبت ذلك، أما الزواج بثانية فالأمر يبدو لي شبه مستحيل لعدة أسباب منها مالية ونفسية واجتماعية فأنا بنظر المجتمع مطلق وهذا يعني انني من أرباب السوابق، وجدت جارتنا تتحدث معي بلطف فعلمت من صديقي انها عانس وتبحث عن زوج وهي غنية لكنها أمية وغير متعلمة، عز على نفسي أن أعيش مع امرأة جاهلة حتى لو كانت غنية فقد جربت المرأة الغنية وماذا فعلت بي مع كونها مثقفة.

بحسرة وألم ابتدأ (ا- ن) حديثه “بالإشارة الى أنه نادم جدا على طلاق زوجته”، مبينا انه تسرع في الذهاب الى المحكمة لإجراء معاملة الطلاق، مؤكدا أن الباحثة الاجتماعية لم تمهلهما في التأني بإجراء المعاملة وان ندمه هذا لا ينصب فقط على فقدانه أجواء الأسرة ورعاية الأبناء فقط بل لأن أحد أبنائه الأربعة (معاق) فقد بترت ذراعه وهو صغير عندما أخذه معه الى المعمل الأهلي لصنع الحلويات الذي كان يعمل به، وان هذا الطفل البالغ الآن 11 عاما حساس جدا ومرهف وقد تألم عندما انفصلت عن أمه، كنت أعلم ما سيلحق به إلا أن زوجتي دفعتني الى الطلاق فهي لا تطاق، مسرفة في الإنفاق، لا تهتم بالأطفال ولا بي، مع العلم انها ابنة عمي وان من المروءة والرجولة أن أحافظ عليها، لكنها لم تعطني الفرصة لكي أتفاهم معها ليس من أجلي بل من أجل الأولاد، أنا الآن قلق ومتشوش على ابني البكر المعاق، أخشى أن يصاب بمكروه أو يقدم على أمر يخالف الأعراف كأن يكون لقمة سائغة بيد الإرهاب فظروفه تؤهله لذلك وكذلك عمره”. ويختتم حديثه الحزين بترديد كلمة: “أنا  نادم”.

يتحدث المطلق عزيز سالم وهو مدرس إعدادية “انه ينظر الى طلابه ويجد في سحنات بعضهم شبها من ابنه الوحيد، حتى صار في كل يوم يسأل ذلك التلميذ وهو في مرحلة الثاني المتوسط عن اسمه واحيانا يناديه باسم ابنه (باسم) ويلفت سالم الى أنه في اجتماعات الآباء والأمهات يتحدث مع والد باسم حتى انه عرض عليه أن يعطي دروسا خصوصية لباسم دون مقابل، وانه يسأل عنه إذا غاب عن الدرس ويقلق لمرضه، ويخشى المدرس سالم من تبعة هذا التعلق بالطالب كونه يشبه ابنه ولا يدري كيف سيتصرف أثناء العطلة الصيفية بغياب باسم”.

وأشارت المطلقة هناء مصطفى الى أن “على الزوجين التفكير ألف مرة قبل أن يقدما على الطلاق لأن الضرر سوف يتقاسمه الزوجان، فضلا عن أن الأولاد سيكونون ضحية أب قاس وأم متعنتة”.

قاضي الأحوال الشخصية (س ح) أبدى استغرابه عندما سألته عن معاناة الرجل المطلق، لكني أوضحت له مقصدي فأجاب “معاناة الرجل المطلق كبيرة هي الأخرى لأن قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لعام 1959 قد أكد في مادته (57) أن الأم أحق بحضانة الأبناء حال قيام الزوجية وبعد الفرقة هذا إذا لم تتزوج بعد الطلاق، كما لها الحق في السكن في بيتها لمدة ثلاث سنوات بعد وقوع الطلاق، وهذا ما يسبب ضيقا وحرجا له ويفقده رعاية أطفاله مصداقا لامرأة جادلت رسول الله (ص) قائد الأمة فقالت له: إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لها رسول الله “ص”: أنت أحق به ما لم تنكحي”. وانتزع الفقهاء من هذا الحديث ان الحضانة ترجح فيها النساء فهل هناك أثر نفسي أكبر من هذا الأثر لوالد يحرم من أولاده بسبب الطلاق والفراق.. او قول تلك المرأة التي جادلت رسول الله (ص) حينما طلقها زوجها قائلة: “يا رسول الله.. ان ضممتهم الي جاعوا.. وان ضممتهم اليه ضاعوا) ثم نزلت الآية الكريمة (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي..الخ)”.

ويلفت القاضي “إذا كنا نثبت الأضرار النفسية للزوج بعد الطلاق فإننا مدعون كمصلحين وإعلاميين أن نفكر جيدا بأسباب الطلاق الذي استشرى في أروقة المحاكم وهو مظهر من مظاهر الانقسام الاجتماعي وان تتضافر جميع الجهود في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمرئية لمعالجة تلك الظاهرة ودعوة للتفكير قبل الشروع بإنشاء مؤسسة الزواج، بدراسة شخصية كل منهما للآخر من جميع النواحي، مصداقا لقول رسول الله (ص) (انظر إليها فإنه أحرى ان يؤدم بينكما) وهو ذو معان اجتماعية ولا يقصد بذلك النظر بعين العصر الى شكلها وجسمها وإنما النظر الأعمق الى كل الأحوال التي تحيطهما عند عقد الزواج والاختيار الحر دون الإكراه والإجبار المدان شرعا”.

المحامون هم أكثر من غيرهم دراية بمعاناة الرجل المطلق لأنهم ببساطة العارفون بالمخفي والمستور من بواطن الأمور بحكم عملهم، يشير المحامي (ع ج) “بغض النظر عن أسباب الطلاق فإن آثار هذا الانفصال تؤثر تأثيرا مباشرا في الزوجة وكذلك الزوج كما تؤثر في حالتهما النفسية والتبعات الاجتماعية والعائلية ولكن يكون الزوج مجبرا بحكم القانون أن يترك دار الزوجية وكذلك يترك أطفاله وهنا يتحمل الزوج أعباء نفسية هي أكثر مما تتحمله زوجته المطلقة فتنقلب حياته الى جحيم ويصبح كالتائه فلا هو أعزب يعيش حالته السابقة ولا هو زوج يعيش في بيت الزوجية، فلا زوجة ترعاه وتغدق عليه حنانها وحبها ولا أطفال متعلقا بهم.. لذا تصبح حالة الطلاق بالنسبة له كابوسا يؤرقه وشبح ذكرياته عن أطفاله يطوقه فهو أبغض الحلال عند الله”.

فيما ترى المحامية أمل إبراهيم ان “الخلافات عندما تصل الى المحاكم فهذا يعني استحالة التوافق بين الطرفين، أما معاناة الرجل الكبيرة فأقول إن معاناة الزوجة لا تقل عن معاناته والأمر الأهم ان الطلاق في مجتمعنا هو بيد الرجل، فلماذا لا نلومه هو، هناك من الرجال من يتعسف في هذا الحق أو قد تدفعهم أنانيتهم الى إلحاق الضرر بالزوجة متناسين تبعات الطلاق من ضياع الأطفال والبيت”، وتؤكد إبراهيم أن “الحيف يلحق بالاثنين معا وعلى الرجل ألا يتسرع في رمي اليمين بالطلاق على زوجته”.

الباحثة الاجتماعية بثينة أحمد من إحدى محاكم الأحوال الشخصية أكدت أن “أغلب حالات الطلاق يقف وراءها الوضع الاقتصادي المتدهور في البلد والحاجة الى المال بحيث يقف الزوج حائرا في تلبية حاجات بيته ويكون في وضع نفسي مشدود فيرمي يمين الطلاق بعد أن فشل في إعالة أسرته غير مدرك بأن من واجبه البحث عن الحلول وليس الهرب من المشكلة، كما على الزوجة أن تتفهم إحراج زوجها وأن تساعده في تعزيز مدخولات الأسرة كأن تعمل هي الأخرى أو تقتصد على أقل تقدير لتمشية أمور بيتها كما عليها ألا تسرف في طلباتها عندما تجد ان مرتب زوجها لا يسد حاجيات البيت”.

مقالات ذات صله