بعد رحلة من المعاناة الطويلة … المتقاعدون خبرات مركونة عاى رفوف التهميش

بغداد_ متابعة

تتفاقم معاناة المتقاعدين يوماً بعد آخر مع ارتفاع اسعار السلع والخدمات ومتطلبات الحياة وغيرها من شروط المعيشة الضرورية الى جانب عدم استثمار مهاراتهم، إذ ان ‎الاهتمام بالمتقاعدين ودمجهم في منظومة التنمية المجتمعية يكون عاملا مهما لتصحيح الأوضاع التي سببتها سياسات التنمية وخططها التي لم تدرج المتقاعدين في برامجها وجعلتهم بعيدين عن إمكانية المشاركة الجدية والفاعلة في العمل الإنتاجي على نحو ادى الى رفع معدلات الإعالة بدرجة تعوق عملية التنمية، وتقلل من المدخرات المطلوبة لها.

تقول المتقاعدة (ام عبد الله ): “الدافع وراء تقاعدي هو الحصول على الراحة بعد تعب طويل، فبعد ان انفق المتقاعد سنوات حياته بالعمل والعطاء فانه لابد من انصافه، وان بعض الدول الغربية تعمل على الافادة من هذه الشريحة ومن خبراتهم بطرق واساليب عدة، فتراهم مفعمين بالحيوية وحب الحياة على عكس ما موجود في الدول العربية ولاسيما العراق اذ ترى الموظف بعد التقاعد قد هرم وشاخ واهمل مما يؤدي الى تردي حالته النفسية والصحية، وهناك بعض الدوائر تحاول الافادة من خبراته إذ تعيد تعيينه بعقد في الدائرة نفسها، وان راتب المتقاعد هو حده اﻻدنى وغير منصف ابدا ومجحف بحق انسان افنى حياته وصحته من اجل خدمة دائرته ووطنه”.

ويبين المتقاعد ( هاشم محمد ): “تقاعدت من دائرة ديوان وزارة العمل في تسعينيات القرن الماضي حسب طلبي إذ كانت الرواتب لا تسد حاجات الانسان الضرورية، وان المتقاعد في ظل هذه الظروف الحالية يعيش في حالة غير مرضية من كل الجوانب ، وان رد الجميل لابد ان يكون بتقديم الرعاية الاعتبارية له أولا كون المتقاعدين شريحة خدمت هذا البلد وثانيهما تقديم الخدمات الاجتماعية اللازمة. المتقاعد كان قبل تقاعده يعيش يومه في عمل وعطاء يشعر بقيمته في ‎المجتمع اضافة إلى تفاعله ‎وتعايشه في هذا العالم الواسع وعند تقاعده يفقد هذا الاحساس الجميل من العطاء ‎وبالتالي حرمانه من الشعور بوجوده وقيمته”.

واوضح (احمد جلال ) محام متقاعد : “كان سبب تقاعدي هو نزاهتي في عملي ، كنت أترافع في قضية لصالح امرأة ولكن زوجها جاء الى مكتبي وهددني، اما أن اتنازل عن الدفاع او يقتلني، مهنتنا مهنة الشرف ومحاسبة المقصر والمذنب مهما كان منصبه ‎وهناك الكثير من البلدان المتقدمة تستفيد من المحامين مهما بلغ بهم العمر، بفهم ثروة كبيرة اما في العراق فلا يوجد اهتمام بهم، ‎أنا الآن أعاني من الفراغ بسبب تركي مهنتي عن غصب او كي احافظ على سمعتي يوجد الكثير من المتربصين من حولنا ممن يريدون ان يستغلوا أية هفوة للايقاع بنا”.

ووصف التربوي المتقاعد(حسين عبد علي ) مرحلة التقاعد : “بالمهينة اذ يبلغ ‎راتبه 388 الف دينار فقط بينما يسكن وعائلته داراً مؤجرة بمبلغ 300 الف دينار شهريا وهو صاحب عائلة مكونة من خمسة افراد، وان وضعه متأزم والحالة المعيشية للعائلة سيئة جدا، ويعمل ليل نهار في سبيل ايجاد لقمة العيش”.

‎ واكد” أنَّ التقاعد يعني أن ينتظر المتقاعد اليوم الذي يشيع إلى مثواه الأخير، حيث تغلق أبواب الحياة جميعها في وجهه ،وتبدأ رحلة المعاناة منذ أن يستلم المتقاعد رسالة من جهة عمله تخبره بأنّهَ قد وصل سن التقاعد وعليه أن يترك العمل ، ‎ويستغرب بشأن السبب الذي يجعل من المتقاعد عبئا على مجتمعه على الرغم من أنه أفنى زهرة عمره في خدمته، فلماذا لا يقابل إلا بالجحود والنكران!؟” .‎

ويقول المتقاعد العسكري(رياض سالم ): “بعد تقاعدي اْقـضـي وقـتـي بـيـن الـقــراءة واداء الـواجـبـات الاجـتـمـاعـيــة، ‎والـمـتـقـاعــد فـي الـعــراق مُـهـمــل وجـمـيــع مـا لـديــه مـن طـاقـات وقــدرات توئد مـعــه، ‎اْنـا خـبـيـر عـسـكــري وفـي العديد من دول الـعـالـم يـستـفـادون مـن الـخـبـرات والـتـجـارب الـعـمـليـة الـتـي مــررت بـهـا عـلـمـاً انـي شـاركـت فـي ( حــرب تـحــريــر) الاردن عـام 1967 وحــرب تـشـريـن عـام 1973 ، ‎واصـبـتُ خـمـس اصـابات – الـحـمـد للــه كانـت طـفـيـفــة على الرغـم ومن جــود شـظـايـا في جـسـدي حتى الان إذ لا يـتـمـكـن الاطـباء مـن ازالـتـهـا لكـونـهـا فـي عـصــب الـساقين”.

واضاف” ‎مـعـانـاتـي تـكـمـن فـي انـي عـشـقـتُ مـهـنـتـي كـثـيــراً فـلـمـا احـلــتُ على الـتـقـاعــد ارغـمـتُ عـلى كـبــح جـمـاح هــذا الـعـشــق ، ثم اني اتقاضى راتباً لا يقضي تكاليف حياتي لعشرين يــومـاً ، فـكـيـف تكفي ستين يوما – ‎والادهـى مـن ذلك انـنـي سـئـمـتُ الـحـيــاة لانـنـي اصـبـحــتُ لا انـتـظــر ســوى ساعة الرحيل” .

وصرحت عضو اللجنة المالية البرلمانية النائبة نجيبة نجيب : تم توحيد الرواتب لكل المتقاعدين العراقيين بموجب قانون التقاعد الموحد وذلك بعد ان بذلنا جهدا  كبيرا في الدورة السابقة من أجل اقرار قانون توحيد الرواتب النافذ”.

وتقول” لا بد من الافادة من مهارات وخبرات المتقاعدين وفي الحقيقة دور الدولة غائب في هذا المجال، وهذا الموضوع مهم جدا وانا اضم صوتي مع صوت الذين يدعمون هذا الرأي ، لأنه نحن بأمس الحاجة إلى هذه الكفاءات والعقول المليئة بالخبرات، وان هذه الشريحة مظلومة جدا ولا تزال تعاني الكثير من المشاكل، والرواتب التي يتسلمونها قليلة لا تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية، خصوصا انهم في عمر تزداد فيه احتياجاتهم الصحية والاجتماعية”.

وبينت الباحثة الاجتماعية سعاد راضي الاعرجي: “المتقاعدون في العراق هم الشريحة المهمشة الذين لم تستفد الدولة من خبراتهم العلمية والعملية إذ وضعوا في زاوية نهاية العمر ونضوب عطائهم، واصبحوا في نظر الاخرين عديمي الفائدة بعد ان وصفوا في سنوات عملهم الاخيرة بانهم مستغلون لمواقعهم الوظيفية ويصادرون فرصة الجيل الجديد في العمل على نحو ادى الى عدم الافادة من خبراتهم الطويلة وعدم دمجهم مع الجيل الحالي من موظفي الدولة ما ادى الى تدهور الاوضاع العلمية والتعليمية و التربوية والمهنية في جميع الاختصاصات”.

واضافت” ان العديد من الدول الاخرى العربية والاجنبية تضع المتقاعدين في وضع مستشارين يستفيدون من خبرتهم في دعم التنمية بمختلف انواعها ، وهذا مؤشر على الوعي الناضج لدى الادارات العليا فيها، وان المتقاعدين في العراق يعانون مشكلات كثيرة، اهمها تأخير صرف رواتبهم ثم استحداث قانون دمج رواتبهم لشهرين وهذا يعيق نشاطاتهم الاجتماعية من حيث الالتزامات وقضاء احتياجاتهم الاساسية”.

‎حملت هموم المتقاعدين الى هيئة التقاعد، وطرقت ابواب الهيئة

لأجل معرفة ردود الافعال و الجواب القانوي على مشكلات المتقاعدين ، وكانت استجابة الهيئة، غير متوقعة، من خلال  التسويف في المواعيد .. وعلى الرغم من مراجعاتي الكثيرة

المقترنة بازدحامات الطرق، الا ان الابواب ظلت مغلقة ، ولم نستطع مقابلة مدير الهيئة ، كما كان الهاتف مغلقاً دائماً حين اردنا الاستفسار عن معاناة شريحة المتقاعدين .

 

مقالات ذات صله