بعد حرقه أكثر من 2500 لوحة خوفا من داعش …   حازم صالح العبدلي : الرسم أكثر الفنون هشاشة إزاء الظروف التاريخية الفاصلة

 

بغداد_ متابعة

ما يمتاز به فناني الموصل عموما عن بقية فناني العراق حرفيتهم العالية في فن البورتريت والرسم بالمائيات، إلاّ أن الفنان حازم العبدلي ينفرد عنهم في قدرته المميزة على إنشائه للموضوع في بنية تكوينية، تتسم بحيوية الإيقاع وتنوع في توزيع الكتل وحركة الخطوط، إضافة إلى الحضور الطاغي لرموز الموروث الشعبي والرافديني على حد سواء..

حازم صالح خلف العبدلي، وهو من مواليد 1963، دبلوم معهد الفنون الجميلة موصل 1987، بكالوريوس فنون جميلة موصل 2002، عضو نقابة الفنانين العراقيين بغداد، عضو جمعية الفنانيين التشكيليين بغداد، حاليا يعمل مدرسا في قسم الرسم في معهد الفنون الجميلة للبنات في الموصل، شارك في معظم المعارض الجماعية لنقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين.

يقول حازم في حوار صحفي عندما سال عن مسالة طرح الفن التشكيلي , ان ” هذه المسالة يأتي باختلاف حسبما يمتلكه الناقد من خلفية بأصول الفن التشكيلي وأسسه، وعليه فقد أصبح هذا الطرح عرفا بين النقاد، والإجابة تاتي مضحكة ومبكية أحيانا، فنحن لدينا ما يكاد أن يكون إجماعا يقينا على أنه من الممكن أن يكون هناك شاعر أعمى أو روائي أعمى والدلائل موجودة وما أكثرها، مثل عبدالله البردوني أو طه حسين، وهناك أيضا ملحنون ومطربون مصابون بعمى فيزياوي، لكنهم أحدثوا فرقا في تخصصهم، في مقابل ذلك لن تجد رساما أعمى، إجابة على التساؤل في أن الفنان التشكيلي يقاد من الخارج، أي من خلال حاسة البصر إلى دواخل ذاته الإنسانية ومن ثم يعاود الكرة بعد التجربة من ذاته إلى محيطه الإنساني الأوسع.. إن الانفعالات إزاء أحداث معينة وما يحيط به من أجواء وألوان هذه الامور هي التي تستفز وتحرك وتشكل التحدي للفنان التشكيلي.

ويشير حازم الى توهم الكثير من الفنانون الكبار بأن التجربة الفنية التي تتبلور مع الوقت تتكون من الخط واللون والأسلوب. ما ذكرناه ما هو إلاّ أدوات للولوج إلى التجربة الفنية، وسأضرب لك مثالا على ذلك، هناك الكثير مِمَن استهجنوا تجربتي مع مفردة الثور المجنح الآشوري، وبالذات حين أضفت إليه يدين وحولته إلى حيوان داجن، على الرغم من كونه يمتلك جناحين كبيرين، فرسمته حاملا على ظهره قربة بيّاع السُّوس ويحمل بيده الطّاسة النحاسية اللمّاعة ويدور في أزقة الموصل القديمة مع إشعار المشاهد بأن هذا المخلوق يتعب ويتعرّق ويشعر بالجوع. وفي عمل آخر جعلته يبرك على الأرض في إيوان بيت موصلي قديم يحتضن بين يديه آلة العود الشرقية مستغرقا في العزف والغناء، وأمامه إبريق شاي على النار، وأجلست قبالته مجموعة من النِّسوة ينصتنَ إليه وهنَّ في حالة من السكون، وكان ذلك محاولة مني لسحب المتلقي إلى حالة من التماهي مع الثور المجنَّح، فهو يمتلك أجنحة ضخمة (خيال) ولكنه لا يستطيع التحليق وأتذكّر أن أحد أساتذة جامعة الموصل بعد أن شاهد العمل قال لي بالحرف الواحد «في اليوم الثاني لزيارتي للمعرض كنتُ أرى نصف أهل المدينه ثيرانا مجنّحة بمن فيهم أنا يا حازم»، قالها ذاك الاستاذ وهو يضحك. أنا أرى أنَّ أي لوحة تحمل مضمونا متميزا ومشغولة بحرفية متقنة تلامس الحس الإنساني وبالنتيجة تصبح ملكا لِمن يشاهدها ويتفاعل معها، حتى لو لمْ يقتنها، بمعنى أنها تنتقل بسلاسة كي تصبح تجربه المتلقي ذاته.

وعن التمرد يضيف حازم , “أنا أبعد الناس عن التمرّد، ودليلي على ذلك أنني موظف حكومي منذ ما يقرب 25 عاما ، من هنا يمكنك أن تكتشف أن التمرد ليس متوفرا في نفسيتي، وليس ترفاً أدّعيه، ولكن العيش في محيط اجتماعي يحمل صيغة متشابهة من الصفات والسلوكيات والمعايير التي تثير ما لدى الإنسان من غرائز، بالتأكيد ستجعل المرء يبدو متمردا ومغايرا، إذا كان رافضا لهذا العقل الجمعي المعوج في فهم الحياة، ففي المحيط الذي عشت فيه ما زالت كل المفاهيم الحياتية المتعارف عليها تبدو معكوسة، فالغدر والجبن والمراوغة تعتبر رجولة، والسرقة والرشوة والكذب تعتبر شطارة ومراقبة الاخرين وزلاتهم ونقاط ضعفهم تعتبر قوة شخصية، هنا في مثل هذا المحيط لابد أن تبدو متمردا، إذا ما حاولت التملص أو أعلنتَ الرفض صراحة، وفي محيط الفن التشكيلي يبدو الأمر أكثر إغراقا في النرجسية، فإذا ما رسم أحدهم بورتريت بشكل جيّد استرعى انتباه الآخرين، فإنك ستجد على صفحات الفيسبوك في اليوم التالي الكل يستعرض عضلاته في فن البورتريت، وإذا ما رسم أحدهم حصانا بشكل جيد ستجد الجميع يصبحون ساسة للخيل، أمّا أنا فأقولها ببساطة شديدة ،أنا أتقبّل أن أُقَاد في كل مجالات الحياة، حتى لو لم أكن مقتنعا بمن يقودني، ولكنني أرفض رفضا قاطعا أن أقاد في الفن

وعن الجديد في الحركه التشكيلية العراقية استدرك قائلا : أجده في هذه العودة إلى القديم، وأقصد بذلك ألف باء الرسم. وأقصد العودة إلى البورتريت والصورة الشخصية وتسطيح المضامين، ويبدو وكأن لم يعد هناك ما نجرؤ على تسميته الاستنساخ من تجارب الآخرين، بل أحيانا سرقة علنية، والمقصود بذلك سرقة الأسلوب الفني، في الوقت نفسه هذا لا يعني أن الجميع كذلك، بل هناك تجارب فنية كبيرة، ولها بصمات واضحة على التجربة التشكيلية العراقية والعربية، وأستطيع القول بأنها تضاهي أعمال فنانين عالميين، إن لم يكونوا أفضل منهم، ولكنني أرى أن الفن التشكيلي في العالم كله يبدو في حالة أشبه بالانحسار والنكوص، وربما أكون مخطئا في هذا الرأي ولكنني لا أستطيع أن انكر أن الفن التشكيلي لم يعد موضع ترحيب كما كان في السابق.

ثلاثة أعوام كان فيها حازم داخل مدينة الموصل أثناء سيطرة تنظيم داعش حيث  يصف خسارته نتيجة هذه التجربة لا تقدر بثمن، فبسبب المداهمات والتفتيش أقدم على حرق ما يناهز 2500 إلى 3000 تخطيط للوحات تشكيلية هي نتاج العمر كله، ولكن هذه التجربة التي استمرت ثلاثة أعوام أثمرت في المقابل عملا روائيا مكونا من 450 صفحة من الحجم الكبير، والعمل عبارة عن قراءة لما حدث وسيحدث لاحقا، ومن ناحية فنية هي أقرب إلى شكل أسطورة تجري أحداثها في مدينة الموصل، وقد شكل العمل عبئا كبيرا عليّ لأنني ومنذ أن انتهيت من كتابتها أبحث عن سبيل لطبعها ونشرها، وإذا ما عدنا إلى الفن التشكيلي فإن تأثير هذه السنوات الثلاث كان كبيرا جدا، لأن الرسم كان في نظر الدواعش من المحرّمات، فقد اغلقوا معهد فنون البنين والبنات وكذلك كلية الفنون الجميلة، وبذلك أجلسونا في بيوتنا لمدة ثلاثة أعوام وقطعت عنّا الرواتب، في الوقت نفسه نحن منعنا ابناءنا من مواصلة الدراسة أثناء حكم الدواعش، ولو فهم أهل الموصل أن مقاومتهم السلبية هي التي هزمت هذا الفكر قبل أن تهزمه المعارك والجيوش لكانت بداية رائعة بعد هذه الحقبة المأساوية المريرة، ولكنني أشك في أنهم فهموا ذلك، فما زالت تشغلهم التفصيلات اليومية والتفرعات الجانبية، وهذه أمور لا تصنع حياة جديدة..

فن الرسم هو أكثر الفنون هشاشه إزاء الظروف الصعبة والتغيرات التاريخية الكبيرة فهو بحاجة ماسة دوما إلى حماة ومغذين بالمال والاستقرار والوقت، وهذه كلها لم تكن متوافرة، يضاف إلى ذلك أنه قبل مجيئهم لم تكن قد تشكلت أو تبلورت ما نستطيع تسميته بمدرسه تشكيليه موصلية.

 

مقالات ذات صله