بروفايل ما بعد التحرير: انتيكات وكتب وموسيقى من قصص ما بعد الحرب

بغداد ـ متابعة

شهر العسل في ظروف الحروب يمر سريعا، النصر الذي أعلنته الحكومة العراقية على تنظيم داعش في العاشر من تموز (يونيو) الماضي كشف دمارا كبيرا وحاجة لحملة إعمار وبناء بجهود دولية.

يحاول الشباب الموصليون نزع ثياب الحرب الرثة عن مدينتهم وإكساءها حلة جديدة، وهنا نماذج لثلاث قصص بعضها مؤلمة وأخرى تبعث على التفاؤل، هي نتاج الحرب وردة فعل عليها من جيل تلقى صفعة مؤلمة وهو يرى مدينته تدمر بأبشع الطرق.

فريق شبابي ينفذ عملية انقاذ فريدة

بدأ كل شيء بدعوة نشرتها صفحة موصلية على فيس بوك، وتلقفها مجموعة شباب وبنات، تجمَّعوا سريعا لإقامة فعاليات ثقافية بهدف الدعوة لإعادة احياء مكتبة جامعة الموصل، ثم انتهى بهم الحال الى انتشال آلاف الناجين من تحت الرماد.

“رأينا الإعلان على صفحة عين الموصل فقررنا المشاركة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، التقينا اول مرة يوم 27 نيسان (ابريل) الماضي امام المكتبة المركزية وقد هالنا ما شاهدناه من دمار فيها، كانت الكتب عبارة عن رماد” يقول اوس إبراهيم أحد المتطوعين في حملة (منقذو الكتب).

أصوات كثيرة دعت الى اعمار الجامعة بعد تحرير الجانب الايسر لمدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش وهي من اهم الجامعات العراقية بعد تعرضها لدمار كبير جراء القصف الجوي فقد اتخذها مسلحو داعش مقرا رئيسا لهم، وفي اللحظة الأخيرة من هزيمتهم احرقوا بعض أبنيتها من بينها المكتبة المركزية.

في البداية كان هدف الحملة تنظيم فعاليات ثقافية بسيطة في الجامعة بينما الحرب تدور رحاها في الجانب الاخير من المدينة “الخطة تغيرت تماما اذ سمعنا بوجود كتب لم تحترق، دخلنا المكتبة بعدما تأكدنا انها خالية من اية متفجرات، فكان كل شيء متفحماً لأول وهلة، وبعد البحث اكتشفنا ان أعدادا كبيرة من الكتب قد نجت”، يضيف إبراهيم.

غرفة دردشة على فيس بوك تضم (23) عضوا، تلك هي غرفة عمليات “منقذو الكتب” حيث يتم تحديد مواعيد العمل، لكن قبل ان تبدأ عملية الإنقاذ انهمك الفريق في إيجاد بديل لنقل الكتب الناجية، فوقع الاختيار على ملعب خماسي مغلق لكرة القدم اتخذه تنظيم داعش من قبل لخزن ما يصادره من ممتلكات المدنيين وما يسرقه من المؤسسات العامة والخاصة.

ويصف إبراهيم شعوره بالقول “نظفنا الملعب جيدا وبدأنا ننقل اليه الكتب، كنا كالمنقذين الذين يمنحون فرصة جديدة للحياة لإنسان محاصر بالموت تحت الأنقاض”.

محتويات المكتبة المركزية كانت تصل الى مليون قبل سيطرة داعش على الموصل وتحولت كلها بين ليلة وضحاها الى رماد، وكان الجميع يعتقد بانه لم ينج شيئا منها، حتى أعلن فريق “منقذو الكتب” نتائج حملتهم التي اسفرت عن إنقاذ أكثر من (34) ألف كتاب.

لقد انتهت مهمة هؤلاء المتطوعين، لكن الحملة الأكبر ستكون مهمة شاقة وهي إعادة إعمار المكتبة المركزية وبقية مرافق الجامعة، وهذا بحاجة الى جهد حكومي ودعم دولي.

“اوتار نركال” أول فرقة موسيقية تولد من رحم الحرب
عندما بدأ منقذو الكتب بحملتهم رافقهم أربعة موسيقيين عزفوا بحرية كبيرة، هؤلاء كانوا قبل أشهر يجتمعون سرا في منزل ليستلوا آلاتهم الموسيقية من أكياس سوداء ويدندنوا بصوت منخفض، خوفا من جذب انتباه مسلحي التنظيم المتوقع مرورهم من امام المنزل في اية لحظة، فينتهي الحال بهم الى جزار التنظيم.

الى مشهد التخفي والتدريب سرا تعود بداية فرقة “أوتار نركال” التي أعلن عن تأسيسها بالموصل في اذار (مارس) الماضي، أربعة شبان عشرينيين، هم حكم ومصطفى عازفا كيتار وخالد يعزف على العود ومحمد عازف كمان، هؤلاء اعضاء الفرقة التي تعد اول فرقة موسيقية تتشكل بعد تحرير الموصل من “داعش”.

يقول محمد حول ظروف عملهم في ظل وجود داعش “في مدة حكم التنظيم، كنت التقي وصديقي خالد، نعزف بصوت منخفض بينما يراقب احد أصدقائنا الوضع خارج المنزل تحسبا لمجيء عناصر الحسبة الذين يبحثون عن مخالفين لتعاليمهم. رضينا بالقليل من السعادة وسط تلك الحرب وحالة الكبت المطبق، نفترق على امل اللقاء بعد اسبوعين او أكثر”.

داعش يحرم الموسيقى والفن عموما، وقد شن عناصره في بداية سيطرتهم على الموصل حملة لإتلاف كل الآلات الموسيقية في المدينة وإذا ما قبضوا على شخص يعزف فان عقوبته قد تصل الى القتل.

عندما بدأت عمليات تحرير الموصل في تشرين الاول (اكتوبر) 2016، لم يعد في الامكان العزف ولو همسا، كان الناس مأخوذين بالحرب كل همهم النجاة منها، الكثيرون خسروا حياتهم واخرون خسروا ممتلكاتهم، بينما فقد بعض الموسيقيين آلاتهم الموسيقية.

الشباب الذي أسسوا هذه الفرقة سرعان ما حصلوا على آلات جديدة، والتأم الفريق اول مرة بعد نحو شهر من تحرير الجانب الايسر، “كنا اول من يعزف الموسيقى في شوارع الموصل، ثم عزفنا امام المكتبة المركزية التي احرقها المتطرفون، وامام جمهور موصلي غفير في حفل استقبال قافلة ضمت نحو 150 ناشطا من بغداد والمحافظات الاخرى” يقول حكم عازف الكيتار.

يبدو ان العازفين الشباب لفتوا الانتباه سريعا انهم الوحيدون في المدينة تقريبا ويجذبون الناس إليهم حيثما عزفوا، لذا وجهت اكاديمية (Yes Academy) الأمريكية دعوة لهم للمشاركة في برنامج تدريبي بمدينة أربيل، وبسبب تميزهم حصلوا على “توصية” أي أفضل شهادة يمنحها المشروع للمشاركين.

هؤلاء الشبان يسعون الى تحقيق حلمهم الموسيقي الكبير وتوسيع فرقتهم لإيصال رسالة الفن والسلام من مدينة دمرتها الحرب والتطرف. يقول حكم: “نحن اليوم احرار، سنعمل كل ما نستطيع في سبيل رسالتنا”.

تاجر الانتيكات هجر الموصل ويبحث عن بديل
بعيدا عما يجري في الموصل من حملات تطوعية، يجلس في مقهى للمثقفين والفنانين وسط بغداد، يدخن السجائر بشراهة ويقضي جل وقته صامتا قبل ان يغادر الى منزله البديل متأبطا صورا للأشياء التي فقدها في الموصل بعد سيطرة “داعش” عليها.

مقالات ذات صله