بتفضيل الذكر على الانثى…  آباء يزرعون الشوك بين الأبناء     

بغداد_ متابعة

تُعتبر الغيرة من أجل النجاح وتحقيق الذات ظاهرة طبيعية، قد تساعد الفرد على أن يجتهد ليحقق ما توصّل إليه زملاؤه أو أقاربه. أما الغيرة في محيط الأسرة حين يغار الأخ من أخيه أو من أخته، فقد يصبح الأمر مرضاً يحتاج إلى علاج ومشكلة اجتماعية نفسية تبحث عن حلول.

وقد تكون الغيرة أحد أسباب العنف في الأسرة مما يدفع إلى الصراع والشجار، وقد يؤدي الأمر إلى مأساة، لذلك يجب أن يكون الأب عادلاً في علاقته بأبنائه، وحكيماً في التعبير عن حبه واهتمامه بهم، وكذلك على الأم أن تراعي المساواة بين الأبناء في كل شيء.

تؤكد عالية أحمد “موظفة”، أن :”الغيرة بين الإخوة والأخوات أصبحت ظاهرة سائدة في الكثير من الأسر، وقد يكون للآباء أو الأمهات دور في إشعال نار الغيرة بين أولادهم، فنرى مثلاً أن الأم تفضّل ابنتها عن الآخرين، أو الأب يخص أحد أولاده باهتمامه وهداياه وحبه، ويهمل الآخرين دون أن يدري أنه بذلك يزرع أشواك الغيرة في القلوب.وأحياناً تنجب الأم ولداً بعد طول انتظار، فتمنحه حبها واهتمامها وتهمل أخواته البنات، بل ويمكن أن تحرمهم من مميزات كثيرة، ولكنها تعطي هذا الولد كل شيء دون حكمة، وهذا ما يجعل الغيرة تسري في قلوب إخوته”.

ويتحدّث عبد القادر حميد “طالب جامعي،” مأساة أخته وابنتيها مع زوجها فيقول: أحياناً يزرع الأب الشوك بين الإخوة، فقد تزوجت أختي الكبرى من رجل لا يعرف شيئاً عن العدل بين أبنائه لأنه يفضّل الذكور على الإناث، ولم يحمد الله الذي رزقه بفتاتين جميلتين، وكان يتمنى أن ينجب ابناً وهو ما أنعم الله به عليه، ورغم أن هذا الابن يصغر أختيه بخمس سنوات، لكنه أصبح السيد المطاع والمتحكم في مصيرهما، وكان هذا الأب يختصه بكل شيء ويغدق عليه الهدايا، حتى شعرت الفتاتان بالغيرة والضيق من هذا الظلم، وحاولت أمهما أن تفاتحه أكثر من مرة في هذا الوضع الظالم، لكنه لم يستمع إليها، كما حاولت من جانبها أن تعوّض ابنتيها بشراء بعض الهدايا لهما وتوهمهما أنها من أبيهما، لكن الفتاتين كانتا تدركان جيداً، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن أصبحت الأختان أكثر عدوانية تجاه أخيهما.

إذا شعر أحد الإخوة بغيرة أخيه أو أخته تجاهه فإنه يستدعي كل طاقاته التي يحشدها وكأنه في معركة حربية

ويقول رحيم عبد الكريم  أحد الآباء وهو مدير عام: “الغيرة بين البشر باختلاف أعمارهم وطبقاتهم وأجناسهم شيء طبيعي، ومعروف منذ أن خلق الله الناس، وصارت تهاجمنا في بيوتنا فنجدها بين الأزواج والزوجات والإخوة والأخوات، ومع ذلك فإنني أتفق مع كثيرين أن الغيرة بين الإخوة أحياناً يكون الآباء مسؤولين عنها، إذا لم يستطيعوا أن يعدلوا بينهم كأن يفضّلوا الذكور على الإناث، وحتى في مثل هذه الحالة فإن العادات والتقاليد التي لا يحكمها دين هي المتهم الأول، كما أن الأب في الأسرة العربية أحياناً، لا يعير العلاقات بين أبنائه اهتمامه فقد أصبح مشغولاً عنهم، والإخوة والأخوات لكل منهم مصالحه التي إذا تعارضت مع قرينه، فإنه لا يجد حرجاً في الوصول إليها ولو على حساب الباقين”.

ويروي الدكتور أحمد علي “طب نفسي”، تفاصيل نموذج للغيرة بين أختين بقوله: من خلال عملي حضرت عندي إحدى الأمهات وأخبرتني أن ابنتها الكبرى التي تتمتع بجمال إلى حد ما، تشعر بغيرة شديدة من أختها الصغرى الأكثر جمالاً وأنوثة، ويتسابق نحوها شباب كثيرون للزواج منها، لكننا لم نوافق على تزويجها قبل زواج أختها الكبرى مراعاة لمشاعرها، وبمرور الأيام لاحظت أن ابنتها الكبرى أصبحت تتعامل مع أختها بجفاء، وتتصيّد لها الأخطاء، حتى انقلب زوجي على ابنتي الصغرى واستمرت في تدبير المكائد لأختها، ولم تكتف الأخت الكبرى بذلك، لكنها استقطبت بعض صديقاتها لتشويه صورة أختها عند مَن يتقدمون إليها ليتزوجوها، وهو ما اكتشفته بالمصادفة بعدما تحوّلت حياة ابنتها الصغرى إلى جحيم”.

ويفسر الدكتور حسن سعيد أستاذ علم النفس، هذه الظاهرة قائلاً: “انحدار بعض القيم داخل مجتمعاتنا، وتفشي الحب الشديد للمال وانتشار سموم القنوات الفضائية في التهوين من شأن العلاقات الأسرية والإنسانية، خلقت لدى الإخوة والأخوات ميولاً نفسية وقدراً من الاستعداد للخروج على هذه العلاقات”. والغيرة في حد ذاتها سلوك سلبي يخلقه التعارض بين مصالح ورغبات الإخوة، الذين يتسابقون من أجل ذواتهم في الوقت الذي ضعف فيه الرادع النفسي داخلهم، بسبب اضمحلال دور الأب والأم، كما أن تعارض الحاجات النفسية والإنسانية يؤدي إلى ردود أفعال عكسية، حتى لو كان ذلك بين هؤلاء الإخوة والأخوات المنتمين لأسرة واحدة، فأصبحت الغيرة بينهم مرضاً نفسياً منتشراً كالوباء. وأكدت نتائج بحوث نفسية أن الغيرة تنتشر أكثر بين بني الجنس الواحد، أي بين الإخوة الذكور أو الأخوات الإناث، أكثر من انتشارها بين جنسين مختلفين لكن يجب أن نعرف أن الغيرة أصبحت مرضاً مزمناً، وبالطبع فإن لكل فعل رد فعل، فإذا شعر أحد الإخوة بغيرة أخيه أو أخته تجاهه، فإنه يستدعي كل طاقاته النفسية والجسدية التي يحشدها وكأنه في معركة حربية، والدليل على ذلك أنها أحياناً تصل إلى جرائم وربما حوادث قتل أو شروع فيه.

في حين يؤكد  الدكتور عبد المنعم صبيح “علوم اجتماع “: “إن البحوث الاجتماعية والجنائية أثبتت أن أكثر من 15 بالمئة من جرائم العنف الأسري سببها الغيرة التي تكون بين الإخوة والأخوات، وأن أكثر من 10 بالمئة من هذه الجرائم تتطور إلى قتل أو الشروع فيه، ولا ترتبط بفئات عمرية معينة، رغم أن بعض علماء الاجتماع يرون أن الشعور بالغيرة بين الإخوة، يتولّد في مرحلتي الطفولة والمراهقة التي تتصف بالميول العدوانية أكثر من غيرها من مراحل النمو الإنساني”.كما تسببت التغيُّرات الاجتماعية التي تمر بها مجتمعاتنا العربية في ازدياد هذا الشعور وانتشارهبحسب صبيح ، حتى أصبح ظاهرة اجتماعية لا يمكن السكوت عنها، لأنها تؤثر في المعاملات الأسرية وتخلق أفراداً غير أسوياء يضرون أنفسهم ومجتمعهم. وبعد أن كانت الغيرة مجرد شعور نفسي كامن، أصبحت للأسف الشديد سلوكا خارجيا يظهر في صورة جفاء في العلاقات الأخوية أو احتكاكات ومشاحنات منذ مرحلة الطفولة، ولذلك أعتقد أن الآباء مسؤولون عن ذلك.

كما يعتبر معظم الآباء في مجتمعنا و حتى المثقفين منهم أن ولادة أنثى عبء كبير و مصدر قلق على المستقبل منذ أول أيام ولادتها , فمازال في بعض المناطق يرتبط إنجاب الأنثى بمفهوم الشرف في مجتمع ذكوري و ترافقها دائما نظرة دونية بانعدام فائدتها داخل الأسرة, لان الدور الرئيسي هو للذكور فقط فهم يحملون اسم العائلة و يدرسون و يعملون في حين أن الفتاة تظل في البيت تسعى لخدمتهم و توفير الراحة لهم حتى يأتي اليوم الذي تتزوج فيه و تغادر بيت الأسرة . أما الفتاة النشيطة الموظفة فهي أيضا متهمة بانعدام الفائدة لأنها تصرف كل راتبها على نفسها و قد لا يكفيها للاعتناء بمظهرها و ملابسها.

و على النقيض من ذلك فالمجتمعات المتحضرة المتحررة تجد أن لا فرق بين الذكر و الأنثى بل في أحيان كثيرة استطاعت الفتاة أن تتفوق على الذكور داخل البيت و خارجه و على المستوى العملي و العلمي , فنجد الفتيات في الصفوف و المراتب الأولى متفوقات على أقرانهم من الذكور في المدارس , و في المجال العملي أصبح إيجاد عمل أمرا سهلا بالنسبة للفتاة عكس الرجل , فنجد الشركات تتسابق لتشغيل النساء لما لهن من دور فعال في إنجاح و إتقان العمل و الجدية و التفاني و قبول أي راتب عكس الذكور الذين يضعون شروطا كثيرة للعمل و يطالبون بأجور عالية و مكافآت و تعويضات , أما في الجانب الأسري فإن للفتاة دورا كبيرا داخل الأسرة في الاعتناء بالوالدين و الإخوة سواء كانوا صغارا أو كبارا و قد تتحول أحيانا إلى المعيل الوحيد و المنفق على كافة أفراد الأسرة بمن فيهم الذكور , لان أبناء هذا الجيل لا يحملون من الذكورة سوى الصفة .. ينامون النهار و يسهرون الليل فأصبحوا بذلك عبئا على الأسرة و على الوالدين و على الأخوات . فأصبحت بذلك المرأة اليوم تتعب أكثر من الرجل بتحملها للمسؤولية داخل البيت و خارجه .

مقالات ذات صله