باستمرار النظرة الدونية.. عمال النظافة ..بين مطرقة الحكومة وحرارة الشمس الحارقة

بغداد_ فاطمة عدنان

وسط ظروف المعيشة الصعبة وارتفاع الحرارة يعيش عمال النظافة ازمة حادة بين تعامل المواطنين و اهامل حكومي كبير من قبل الأمانة , كما انتشرت في الآونة الأخيرة العمل في ليلي لبعض العمال والذي يأتي بجانبهم بعيدا عن الشمس الحارقة و مضايقات اغلب المواطنين.

يقول إبراهيم، 50 عاما، أحد عمال النظافة، يستهل عمله بشارع في الصباح الباكر، قبل أن ترسل الشمس أشعتها على المنازل، يقول: أجلس بين الحين والآخر تحت الظلال لألتقط أنفاسي من جولة عمل تبدأ في الصباح الباكر وتستمر حتى الثانية ظهرا، لأستعيد النشاط، لكني لم أعد قادرا على إنهاء الطريق الذي بدأته منذ 25 عاما، فالصحة لم تعد كما كانت، والأمراض كل يوم تحاصرني ولايوجد علاج  مفيد ، لكن ماذا اعمل لاتوجد باليد حيلة.

يضيف: “بنَظف زبالة الناس وفي الآخر تواجهني مضايقات عديدة سواء كانت عن طريق الكلام او رمي الاوساخ وانا انظف المكان ,متناسين اني إنسان لدي احاسيس ومشاعر، لكنني لا ارد على احد واتجاهل الجميع واكتفي بقول ” حسبي الله ونعم الوكيل”.

بينما يقول احمد، 46 عاما، عامل نظافة: “حلمي انني اكمل دراستي التي تركتها وانا في الصف الرابع ابتدائي لكي اعيل اهلي خاصة بعد موت والدي ولم يبقى لدى امي واخواتي معين غيري وسط هذه الحياة الصعبة”.

احمد، قضى 23 في مهنة عامل النظافة، يتجول في شوراع مناطق بغداد بين أزقتها وميادينها، لطالما كانت الشوارع تشكو له إهمال روادها، كون صداقات بين الباعة وأصحاب المحلات لطبيعة عمله واختلاطه بغيره من العمال والتجار، يقول “أنا عشت مع هؤلاء الناس اكثر ما عشت مع أسرتي لقد ساعدوني كثيرا وانا اعتز بهم ”.

يبدأ حسين ، عامل نظافة بمنطقة بغداد الجديدة، يومه في الرابعة صباحا، على صوت دقات المنبه الذي أصبح يشكل جزءا من حياته اليومية المعتادة،  وبملامح أرهقتها الأيام والمهنة يستعد للعمل، بعد انقضاء 3 ساعات في السفر من منطقته البعيدة إلى مقر عمله ، بمنشفة مبللة يضعها على رأسه لتقيه حرارة الشمس الملتهبة، والزي الخاص التي تميز عامل النظافة عن غيره من الناس.

حفظ شوارع المنطقة التي يعمل بها عن ظهر قلب، عاش معها حرارة صيفها وبرودة الشتاء بها، “الشوارع أخدت من جلدنا رقات” كما يقول حسين البالغ من العمر45 عاما،: “منذ 20 سنة  وانا اشتغل عمال لدي 4 أولاد  ومن المتعارف عليه ان الأطفال يحتاجون الى أشياء كثيرة وانا كبرت ولم استطيه قادر على العمل ليلا ونهارا خاصة في هذه الظروف الصعبة”.

وعلى أحد أرصفة شوارع الكرادة، جلس أحد عمال النظافة، بدت علي وجهه علامات الإرهاق، رغب عن الحديث عن أحوال العمل، وبعد عدة محاولات وافق على توجيه رسالة إلى المسؤولين، إلا أنه لم يستطع الحديث، وقال “الكلام لم يعد منه فايدة، نحن على هذا الحال منذ 5 سنوات ولم يتغير شي”.

ويروي علي الصعوبات التي يواجهونها أثناء تأدية عملهم قائلاً «أعمل من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الساعة الثامنة صباحاً، ثم يقوم أحد الزملاء بتسلم العمل عني لفترة الظهيرة، ومن أهم واجباتي وطاقم عملي المرور على حاويات القمامة الكبيرة وإفراغها في السيارة المخصصة لذلك، وهو عمل شاق يحتاج إلى كثير من الصبر وتحمل الروائح الكريهة، بالإضافة إلى التركيز ومعرفة التعامل مع مكان الحاوية وعدم إلحاق الضرر بالسيارات المتوقفة قربها، ونحاول قدر المستطاع عدم إزعاج أحد والعمل بصمت، لكن صوت محرك السيارة وارتطام الحاوية بالرافعة صوت لابد منه»، وعن تعامل الناس معه قال «هناك تناقض كبير في شكل التعامل، فمن الناس من يتعاون معنا ويساعدنا بيده أحياناً، ومنهم من يتعامل معنا بطريقة خشنة جداً ويشعرنا بالدونية، مع أنه لا ذنب لنا سوى اختيارنا هذه المهنة».

وقال سعد عباس , «عمال النظافة يعانون من العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارة، وفي المقابل يتقاضون راتباً قليلاً مقارنة بعملهم، كما يعانون من المضايقات المستمرة، فضلاً عن تعرضهم للنشل في بعض الأحيان، ولو كان المجتمع يستشعر مقدار التعب الذي يتعرض له عمال النظافة لبادروا بمساعدتهم، كأن يضعوا مخلفاتهم في الحاويات المخصصة للنفايات بدلاً من رميها في الطرقات والأماكن العامة» .

وتطرق سعد إلى عامل النظافة بقوله «علينا تربية أطفالنا على النظافة منذ نعومة أظفارهم، يجب علينا أيضاً الوقوف مع أولادنا وتعويدهم على احترام عامل النظافة ومساعدته بعدم رمي الأوساخ على الطريق، ومناصرة عامل النظافة بتشجيعه متى رأيناه وبالتبسم في وجهه، فهو يريد تشجيعاً ومناصرة من المواطنين ليُقبل على عمله عن رضا وإخلاص»، وأضاف المنصور «بعضهم يحتقر مهنة عامل النظافة، علماً بأنه يمارس مهنة سامية ونبيلة، وهي النظافة والنظافة من الإيمان. لذلك فهي من أشرف المهن، وهو بلاشك يقوم بدور كبير في نظافة البيئة المحيطة بنا، ويوفر لنا بيئة نظيفة نقية خالية من الأمراض والتلوث».

وأرجع سعد عدم احترام وتقدير عمال النظافة إلى ثقافة المجتمع ووعيه، وقال «في نظري أن عديداً من الناس لا يدركون حجم المخاطر التي قد تنتج عن عدم وجود عمال نظافة، من تلوث للبيئة وانتشار للأمراض والأوبئة، وأعتقد أن جهلهم بهذه المخاطر هو السبب الرئيس لعدم احترامهم لهم، فحينما يدرك المجتمع قيمة العمل الذي يقومون به.. سيكنّ لهم مزيداً من مشاعر التقدير والاحترام».

كما فند سعد إيجابيات وسلبيات عامل النظافة قائلاً «هم أشبه ما يكونون بكريات الدم البيضاء التي تدافع عن الجسد، وتخلصه من الأضرار، فهم يقضون ساعات طويلة في العمل لأجلنا نحن، ويكفي أنهم يجعلون مدينتي نظيفة كل يوم وذات مظهر جميل، وأما الشيء السلبي الوحيد فهو عدم جاهزيتهم، فأحياناً تصادفهم بزي غير مكتمل وبلا وسائل واقية من أضرار النفايات كالقفاز والكمامة».

ويرى المرشد النفسي والاجتماعي والأكاديمي في علم النفس الدكتور خلف جبار، أن هناك تراكمية اجتماعية جعلت الناس يقسمون أنفسهم إلى فئات، بالإضافة إلى تغير النفوس ومكان وهيبة بعضهم عززت هذه الترتيبات والتفاضل الاجتماعي، وأرجع هضم بعض الشركات حقوق عمال النظافة إلى عدم وجود نظام قضائي مستعجل يفصل في المشكلات والقضايا العمالية، مضيفاً «لابد من وجود الحماية الحقيقة للعامل ولابد من وجود محاكم مستعجلة للعمال تفصل في قضاياهم وحقوقهم التي كفلها النظام».

 

مقالات ذات صله