باستغلال الثغرات القانونية … النفقة الزوجية رحلة محطاتها القلق والانتظار

بغداد_ متابعة

بعينين محمرتين مليئتين بالحزن والألم وبخطى مثقلة بتعب السنين تذرع (م،ن) ممر دائرة التنفيذ ذهابا وايابا برفقة والدتها من أجل الحصول على حقوقها كمطلقة، بعد ان بدا طليقها باستغلال بعض الثغرات القانونية للمماطلة بدفع النفقة المقررة عند نهاية كل شهر كونه غير موظف.

وبحسب حديث (م. ن)، وهي امرأة في أواخر الثلاثينيات وام لثلاثة اولاد، فان عملية الحصول على حقوقها المثبتة قانونيا تحتاج الى المزيد من الوقت، وان ما جعل اليأس والاحباط يتسللان الى قلبها وروحها تعقد الروتين الاداري في تنظيم صك، اذ عرفت ان الحصول على نفقتها اشد صعوبة من حصولها على ورقة الطلاق.

وتقول المحامية ندى جواد النوري: ان من المشاكل التي تواجه استحصال المطلقات والارامل على حقوقهن القانونية والشرعية هي طول الاجراءات القضائية في دعوى الطلاق من قبل الزوجة، وتوجه المحاكم العراقية لتأخير انجاز هذه الدعاوى بسبب حالات الطلاق الكثيرة، والتي بدأت تمثل ارقاما مرعبة في الواقع الاجتماعي والقضائي، فضلاً عن احتساب مبالغ ضئيلة في نفقة الزوجة والاطفال، اما بسبب الوضع المادي المتضائل للزوج او لقيام الزوجة بتعقيب دعوتها بنفسها امام المحاكم العراقية بسبب العوز المالي، حيث تكون بأمس الحاجة للمال في توكيل محامٍ في هكذا ظروف, ما يجعل دعواها امام الكثير من الثغرات القانونية والتي تسبب في حسم القضية بغير ما تبتغيه الزوجة او قد يقوم الزوج بدفع النفقة عبر دائرة التنفيذ والتي من ناحيتها تطالب الزوجة ببراءة الذمة من دائرة الضرائب العامة ومن ثم تكون الزوجة مجبرة امام فتح اضبارة ضريبية تجعل اغلب النفقات المستحصلة تذهب الى هذه الدائرة بسبب التخمين غير الدقيق من قبل مخمنيها.تستطيع اثناء تجولك في رواق دائرة التنفيذ في الرصافة، رؤية الكثير من النساء، وهن نافدات الصبر، ثائرات الفضول، تجري الاحاديث فيما بينهن في استفاضة وعدم كلفة من كثرة معرفتهن ببعضهن البعض وكثرة ترددهن في هذا المكان، تحجب عن العين مأساة خفية غير منظورة لحاجتهن الى المال.

ووسط هذا الوضع المربك، وقريبا من احد الممرات تقف امرأة تنتظر بقلب محطم المحامي الذي سلمته اوراق حصولها على النفقة بعد ان تنصل طليقها عن دفع حقوقها في الوقت المحدد، وهناك امرأة  ينتابها الخوف والقلق بشأن المبلغ الذي سيقرر من قبل قاضي المحكمة لتحديد النفقة وهي أم لخمس بنات، فيما تفرش امرأة قصة حياتها المطعمة بالألم  متوسلة موظف دائرة التنفيذ عسى ان يجد حلا لقلق انتظارها. قصص حزينة تتلوها قصص اكثر مرارة تحرق النفوس في منازل الأهل، فيتصاعد دخانها في  محاكم الاحوال الشخصية، ويتطاير شرارها دموعا وحسرات في دوائر التنفيذ، وعلى شفاه مئات المطلقات تنفجر تلك صرخات مدوية تطالب الجهات المختصة بايجاد حلول منصفة لمعاناتهن.وتضيف (م. ن) : على مدار مراجعتي الى دائرة التنفيذ فأغلب المطلقات المستحقات للنفقة يعانين من تأخير تنظيم الصك و تسلم النفقة في الوقت المحدد والانتظار شهر كامل لمراجعة دائرة التنفيذ التي ترمي بكرة التأخير في ملعب دوائر الازواج « المدنيين»  بخصوص ارسال كشف رواتبهم، وكل هذا ناتج عن  تعقد الروتين الاداري في تنظيم الصك وعدم صرفه في الدائرة نفسها، على الرغم من وجود شعبة للحسابات يمكن من خلالها صرف المبالغ لمئات من المطلقات.

ويقول المستشار القانوني رامي احمد الغالبي عضو اتحاد الحقوقيين العرب: ان على المرأة المتزوجة معرفة الحالات التي لا تستحق بها النفقة وقد نصت المادة (25) أحوال شخصية على حالات ثلاث وهي أولا» إذا تركت بيت زوجها بلا أذن وبغير عذر شرعي, وثانيا» إذا حبست عن جريمة أو دين، وثالثا» إذا امتنعت عن السفر مع زوجها بدون عذر مشروع، أما الزوجة المريضة فلا تستحق النفقة في حالتين فقط الأولى: أن تمرض قبل الزفاف بحيث لا يمكن أن تنتقل إلى بيت الزوجية, لان حق المعاشرة غير ممكن هنا والثانية أن تمرض بعد الزفاف في بيت أبيها ويطلب منها الزوج الانتقال إلى بيته فتمتنع مع المقدرة على الانتقال. ويضيف الغالبي أن: النفقة تفرض شرعا وقانونا لصالح المرأة نظير حق احتباس الزوج لها على ذمته, وقد نصت المادة (58) من قانون الأحوال الشخصية على ذلك عندما صرحت تقول: (نفقة كل إنسان في ماله إلا الزوجة فنفقتها على زوجها).وتجب على الزوج من تاريخ العقد إلى انتهاء العلاقة الزوجية بعد وقوع الطلاق وحتى انتهاء العدة, وهو غير ملزم بذلك أثناء فترة الخطبة, فان كان الزواج بعقد خارجي فيكون من تاريخ ذلك العقد وليس من تاريخ المصادقة عليه ولا علاقة للنفقة أيضا بتاريخ الدخول، وتشمل النفقة الزوجية كما نصت المادة (24) في الفقرة (2)(الطعام والكسوة والسكن ولوازمها وأجرة التطبيب بالقدر المعروف وخدمة الزوجة التي يكون لأمثالها معين)، إذ تستحق الزوجة النفقة في حالتي اليسر أو العسر، طالما أن الزوج قادر على الكسب وهي تعد من حقها القانوني والشرعي، حتى لو كانت عاملة ، تتقاضى راتباً شهرياً.

وتصف (م. ن) بعينين مغرورقتين بالدموع ما مرت به موضحة: عندما تعجز سفينة الحياة الزوجية عن الوصول الى بر الامان يلوح الانفصال كحل وحيد لانهاء هذه العلاقة، حيث اقمت دعوى في محكمة الاحوال الشخصية لطلب الطلاق بعد استحالة استمرار الشراكة الزوجية، لاسيما بعد تزوجه من امرأة اخرى، وانتظرت أياما واسابيع ثم اشهراً وبحسب الاصول والضوابط المحددة من قبل محكمة، ومن بينها احالتنا الى الباحث الاجتماعي لتشخيص الخلل في العلاقة الزوجية وعلى ضوء  تحديد نسبة التقصير حصلت على الطلاق الفعلي بعد عدة اشهر، لتبدأ رحلة اجراء دعوى النفقة التي استمرت فترة من الزمن الى ان حصلت على الحكم الحاسم للدعوى. وتوضح النوري:  في حالة اذا كان مدعي النفقة بحاجة ماسة اليها ليسد حاجته الضرورية، فقد أجاز القانون العراقي طلب النفقة المؤقتة أثناء نظر دعوى النفقة، وهي عبارة عن طلب مؤقت ويكون مستعجلا يقدم إلى القضاء للحصول على قرار بالنفقة يكون مصيره معلقاً على الحكم الحاسم للدعوى. حسب المادة (31) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 والمادة (302) من قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969. كما نصت الفقرة أولا من المادة (31) من قانون الأحوال الشخصية بأن ( للقاضي أثناء دعوى النفقة أن يقرر تقدير نفقة مؤقتة للزوجة على زوجها ويكون هذا القرار قابلا للتنفيذ ويحق للزوجة المطالبة بنفقة ماضية عن المدة التي تركها زوجها فيها دون نفقة, وقد حدد القانون المدة التي يحق للزوجة مطالبة زوجها وهي سنة واحدة من تاريخ إقامة الدعوى.

وتواصل (م. ن) سرد فصول معاناتها بعد ان جلست على مقعد مخصص للمراجعين والتقطت شيئا من انفاسها موضحة: بعد استصدار الحكم من المحكمة الشرعية وتقدير مبلغ نفقة الابناء من قبل القاضي، بدأ طليقي بالدفع مباشرة و بشكل منتظم على مدار أشهر، ولكن سرعان ماتنصل عن التزاماته وتهرب من الدفع، لاسيما وانه غير موظف فلا يمكن حجز راتبه، وهذا ما دفعني الى استحصال قرار من المحكمة يخولني من خلاله اللجوء الى الشرطة لاجباره على الدفع، وفعلا قمت بتبليغ مركز الشرطة، واخذ دورية الى المكان الذي يتواجد فيه وعندها قام بمنحي مبلغ النفقة مباشرة ، وتعهد بالالتزام بالدفع في الموعد المحدد من كل شهر. وتعليقا على ذلك تؤكد النوري إذا كان الزوج غير موظف وفي حالة عدم حضوره أو صدور مذكرة إحضار جبري ولم يحضر أو امتنع عن الدفع، فانه يلجأ إلى الطرق الجبرية للتنفيذ ومنها حجز أموال المدين ومنعه من السفر وحبس المدين لغرض إجباره على أداء مبلغ النفقة ويراعي القاضي في تقدير النفقة للزوجة حالة الزوجين المالية, أي حسب اقتدار الزوج المالي وبما يناسب حالة ومكانة الزوجة المالية والاجتماعية. وحالة الأسعار من ارتفاع والانخفاض, أي كزيادة موارد الزوج المالية وارتفاع تكاليف المعيشة وقد يطلب الزوج تخفيضها لإحالته على التقاعد وراتبه اقل مما كان يتقاضاه وهو موظف. ويُشار عادة إلى التحرّي عن الوضع المالي للزوج، وذلك لتحديد قيمة النفقة ويؤخذ بعين الاعتبار نوع عمله، مدخوله، أملاكه الظاهرة وغير الظاهرة، أعباؤه المالية. وكل ذلك بهدف درء الظلم عنه عند تقرير النفقة من جهة، وانصاف الزوجة من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من كل هذه القوانين والاجراءات، إلا ان عيون النساء الحزينات في أروقة عشرات المحاكم، وفي دوائر التنفيذ، وفي مكاتب المحامين والمعقبين، تبقى تدور في حلقة مفرغة، وكأن كل واحدة منهن تعيد رحلة( م. س) المريرة لاستحصال حقوقها، عسى ان تواجه متطلبات العيش بكرامة، ولسان حالها يدعو جميع الجهات المختصة بوضع حلول منصفة لتقليل آلام ليس لها حدود.

مقالات ذات صله