“باريس مَربط خِيلِنا”

بقلم : عبد الحميد الصائح

“بلاط الشهداء” هي  التسمية العربية لمعركة “بواتيه” بالفرنسية التي نشبت بين الفرنسيين و العرب المسلمين  في اوكتوبر عام   732م  وارتكب فيها الفرنسيون اكبر مجزرة ضد المسلمين ابادوا فيها جميع  جميع جنود الجيش الذي قاده والي الاندلس “عبد الرحمن الغافقي” لاحتلال فرنسا ، وقد بالغ الغرب كله وهو يحتفل بنتائج تلك المعركة التي اعتبرها  نصرا الهيا اوقف الفتوحات الاسلامية من الاندلس الى باقي مدن اوربا ، وحطم “غرور” العرب المسلمين بعد مجدهم في اسبانيا وايطاليا ليكملوا المسيرة الى باريس رافعين شعار ” باريس مربط خيلِنا” .فلم يبق منهم لامحارب ولاحصان.

واذا مانسي العالم ذلك النصر الفلكلوري وتلك الحروب التي لاتحدها القوانين ولاتلزمها الخرائط ، فان بعض الامبراطوريات في العالم لم تنس الدوافع التي حركت تلك الحروب وماتلاها من نزاعات وتحالفات دولية  حتى يومنا هذا، وظلت دائما تقلّب اطراف المعادلة في اي نزاع ،  بين مصالح  ترتدي جلابيب العقائد ، والعقائد التي تنتشر بذريعة  ضمان المصالح .

تغيرّ العالم وأعدت الخرائط والمواثيق ودخلنا حروب القرن العشرين التي تعد اقسى واشرس حروب في التاريخ لماشهدته من دخول تكنلوجيا المعلومات والتصنيع الحربي المتطور على خطوطها. واضطربت حال العرب الذين تراموا في احضان التحالفات الدولية ومتغيرات المصالح والمكر السياسي الذي تخلفوا عنه كثيرا ، وعادت الدول  والشعوب عقائد في قطار المصالح ، ومصالح على رماح العقائد ، تعتبر العرب غنيمة متاخرة يمكن بها اكمال فوارق التقسيم بين الاقوياء . فاشتبكت شعوب المنطقة العربية الساعية الى الاستقلال مع مستعمريها من دول العالم القديمة ومنها فرنسا التي حصدت صيدا وفيراً من الوليمة العربية ، وحدث ماحدث من مواجهات  ابرزها على ارض الجزائر في اشد ثورة تحرر يقودها الجزائريون من 1 نوفمبر 1954  حتى 5 تموز 1962 يوم اعلان استقلال الجزائر بعد احتلال دام اكثر من مئة وعشرين عاما ، ثورة كلفت الجزائريين مليون ونصف المليون شهيد لازالته .

تطوّرَ العالم بوسائله ، غير ان امزجة الشعوب وطباعها ، ظلت متباعدة ، تحكمها غرائزها ومصالحها التي لادخل للحكمة ومصالح الضعفاء بها. وطالما للعالم ذاكرة ، فان للحروب ارشيفا كونيا خاصا بها بدوافعها وحيثياتها ووسائلها لن تنفصل عن بعضها مهما بدت غير ذلك .

معركتان  فاصلتان اذن  بينهما قرون ،واحده على ارضهم خسرناها وواحدة على ارضنا خسروها . ابقت العلاقة حذره جدا بين الفرنسيين والعرب . لاتعرف فرنسا حتى اليوم هل العرب والمسلمون اصدقاء ام اعداء ، ولايعرفون هم ماهي الدوافع التي تحرك فرنسا في علاقتها بهم وتبني قضاياهم. في زمن تراجع العرب في سلم الموازين الدولية   واصبحوا بيوتا للطاقة وليسوا مشاجب للقوة . مما جعل الدول الكبرى التي خرجت منتصرة من القرن العشرين ،  تستبسل بالتخطيط لمصائرنا وتتقاسم النفوذ في تلك الدولة او غيرها من البلدان العربية المتنازعة المتناقضة الغارقة في مزيج  الثراء والتخلف . كلما حصدت بريطانيا  وصاية ، تداعت فرنسا لمثلها ، وكلما  استلت اميركا انيابها . تحسست فرنسا عضلاتها. حتى تمادت كثيرا في ان تؤشر للشعوب اراداتها وتختط منهج الحرب والمراهنة على الفوضى والوهم في ايجاد مناطق نفوذ في بلاد العرب . فاخلتط ضدها “المشروع” من المواجهة بـ”الباطل” من القسوة والارهاب،  والارهاب وباء عام، دون كفاح عام لن يكافح ، ودون تجرد من الانتقائية في التعامل مع الشعوب العربية على انها بؤر لعقيدة صماء وعنف عتيق واعصاب منفلتة تعوم على بحار من الخير و الطاقة ، ليتم التدخل في شؤونها وكانها لم تبلغ سن الرشد بعد ، لن يجدوا فيها شركاء متزنين . لابد ان يدركوا انهم ساهموا في تدجين  “شواذ ” التطرف عند العرب واستدراج وحوشهم ، وهاهم يحصدون ذلك .. فالذين انتهكوا الحياة في باريس وقبلها في لندن وواشنطن ،  تدربوا اولا على قطع رؤوسنا وسبي نسائنا وانتهاك الحياة في بلداننا ، واذا ما كانت مناطقنا قد صدّرت الفتاوى القاتلة فان الغرب احتضنها وآوى اتباعها . واصبحت بلدان حقوق الانسان التي يفترض ان تكون ملاجيء للضحايا ، حواضن لغلاظ القلوب اعداء الحياة  اللاهين بالقيم والدم والعقائد . وما لم يتمكنه  الغافقي قبل 1283 سنة من ان يجعل “باريس مربط خيلنا ” يسعى الظلاميون اليوم لتحقيقه .  ولكن بصورة مغايرة ، صورة العربي المسلم الازدواجي الشرس الفض الذي لايؤتمن جانبه حتى وان ارتبط مع اخرين بالعيش المشترك وسلطة القانون والمواطنة، مما يستدعي ان تنحرف  “الامبراطوريات الحديثة” وفرنسا منها قليلا عن غرورها وتقر بضرورة ايجاد “خلية ازمة عالمية” . لقراءة التاريخ بآليات مختلفة وتحري الاسباب والدوافع وصيغ المؤامرات وادارة المصالح واسلوب توظيف العقائد في النزاعات الدولية ، خلية ازمة كبرى لادارة المستقبل و قطع الطريق امام قطار الموت العقائدي الاممي الذي يفتك بجميع من يقف في طريقه ، بل بركّابه ايضا.

مقالات ذات صله