اليهودي “مير بصري” .. آخر من قال وداعاً لبغداد

بغداد ـ طارق حرب

في سلسلة تراث بغداد كانت لنا محاضرة عن اخر مثقف بغدادي يهودي الذي قال وداعا لبغداد ذلك انه ولد في بغداد سنة ١٩١١ ولم يغادر بغداد في موجات الهجرة التي حصلت في نهاية اربعينات القرن العشرين واستمرت الى بداية خمسينات هذا القرن بل رفض ترك بغداد واستمر حتى سنة ١٩٧٤ حيث تركها في هذه السنة مُكرها ولم يذهب الى دولة اسرائيل وانما ذهب الى لندن حتى وفاته سنة ٢٠٠٦ ولم يقطع علاقته ببغداد طيلة غربته خارج بغداد حتى الايام الاخيرة لوفاته واسمه مير شلومو حاي شاؤول بن بصل ئيل المشهور باسم مير بصري ولاعلاقة لاسمه بمدينة البصرة المولود في محلة تحت التكية رصافة بغداد وهو ينتمي الى اسرة يهودية كانت تعرف بآل بصري ثم اشتهرت بآل عوبديا وهي اسرة بغدادية من القدم حيث لم يتركوا بغداد الا فترة قليلة سنة ١٨٣١ بسبب الوباء الى الموصل وعادوا بعد اشهر الى بغداد واسرته من الأُسر المعروفة في بغداد والده من تجار القماش في بغداد توفي سنة ١٩٢٧ وبصري من الطائفة اليهودية حتى انه وصل الى منصب رئيس الطائفة الموسوية في العراق من ١٩١٧ الى ١٩٧٤ وينتمي مير بصري الى اسرة يهودية بغدادية عرفت في بادئ الامر باسم آل بصري ثم اشتهرت بعد ذلك باسم عوبديا ولكنهم عادوا لاستخدام اللقب الاول مرة اخرى وهي اسرة معروفة في بغداد لها زعامة بين يهود بغداد وجده مارس التجارة ووالده احد تجار القماش المعروفين وتنتمي والدته الى اسرة آل دنكور المشهورة وانتماء مير بصري للدين اليهودي جعله يتسلم منصب رئيس الطائفة اليهودية من سنة ١٩٧١ وحتى مغادرته بغداد سنة ١٩٧٤ ودخل المدرسة بعمر الاربع سنوات في كتاتيب المعلم ابراهيم القصير في محلة التوراة اليهودية في رصافة بغداد ثم مدرسة التعاون الاهلية وتتلمذ على يد علماء بغداد ومفكريها مثل الشيخ عبد العزيز الشواف والكرملي ومصطفى جواد وعباس العزاوي واتقن اربع لغات الانگليزية والفرنسية والعبرية والعربية واطلع على الاداب العالمية بعد ان اتقن شعر ابو نواس وابي فراس الحمداني والبارودي واطلع على الشعر الاندلسي وتأثر بطه حسين والمنفلوطي والزيات وتأثر بشعراء المهجر وكان شخصية بمواهب متعددة فهو خبير اقتصادي وكاتب ومؤرخ وسواها متدين غير متعصب وشهد له اهل الثقافة بتعدد مزاياه في جميع حقول المعرفة في العلوم الانسانية ويعتبر من الجيل القديم من اليهود الذين تمسكوا بهويتهم بدليل بقائه على علاقاته وانتاجه الفكري لبغداد والعراق منذ تاريخ مغادرته بغداد الى جنبف وامستردام واستقراره حتى وفاته سنة ٢٠٠٦ حتى كان ينشر مقالاته بالصحف العراقية وهو وان اضطر الى مغادرة بغداد فإنه لم ينسى بغداد حتى ان احدى الصحفيات التي قابلته في يوم حار في لندن راته استخدم المروحة البغدادية التي يتم صنعها من سعف النخيل والتي تسمى ( المهفة) ولم يزر اسرائيل الا مرة واحدة لرؤية صديقه المحامي والاديب انور شاؤول الذي يشاركه شعره عراقي الوطن عربي القومية يهودي الدين وبدأ حياته الوظيفية كموظف في وزارة الخارجية وكان له دور في تنقيح معاهدة سنة ١٩٣٠ والتي ترتب عليها الاعتراف بالعراق الدولة ٧٥ في العالم والغاء الانتداب البريطاني وترأس لجنة استقبال طاغور شاعر الهند الكبير سنة ١٩٣٢ وعمل مدير غرفة تجارة بغداد وقد تم ايداعه السجن سنة ١٩٦٩ بعد تنفيذ الاعدام والتعليق في ساحة التحرير بتهمة التجسس لاسرائيل ١٤ شخصا تسعة منهم من اليهود وكانت التهمة انه زود كاتبة امريكية سنة ١٩٦٧ بمعلومات عن الوضع في العراق ولكن وساطة احد المحامين انقدته بعد ان اخبر وزير الداخلية صالح مهدي عماش انه من المثقفين اليهود الذي يردد:

ان كنت من موسو قبست عقيدتي
فسماحة الاسلام كانت موئلي
فأنا المقيم بظل دين محمد
وبلاغة القرآن كانت موردي

هذه الابيات التي كتبها صديقه انور شاؤول ومؤلفات مير بصري كثيرة اهمها لدقته العلمية والحيادية التي غابت لدى كثير من المؤلفين كتابه
اعلام السياسة في العراق حيث كان الاقرب الى الحقيقة والف كتبا كثيرة منها مباحث في الاقتصاد العراقي ورجال وظلال واعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث واعلام اليهود في العراق الحديث ورحلة العمر من ضفاف دجلة الى وادي التايمس واعلام الكرد والقومية الكردية واعلام الادب في العراق الحديث واعلام التركمان واعلام الوطنية والقومية العربية و مؤلفات وابحاث ومقالات كثيرة .

مقالات ذات صله