النفاق.. مرض اجتماعي يتخفى باقنعة المجاملات

بغداد_ متابعة

نفضت سالي حيدر عنها برودة المجاملة التي كانت تسمعها لزميلاتها في العمل، فقد كان ذهنها مزدحما بأسئلة متشابكة كالصور في المرايا المتقابلة، خاصة عندما تجد نفسها مضطرة للمجاملة مع القليل من الصراحة لمسايرة الحياة واستمرارها، وبحسب قولها فانها غالبا ماتجد نفسها  محط انتقاد للاخرين الذين يخلطون بين فن المجاملة وقواعد النفاق المتكاملة.

وتقول حيدر بصراحة بدا في قسوتها خيطا من التمرد” :ليس هناك اجمل من الحديث عن الاخر بصراحة وازالة الغبارعن  سموم التملق الناعمة واغراق الطرف الاخر حتى الاختناق، خاصة عندما يجد الانسان نفسه مضطرا الى الخوض في غمارها،  فالحياة الاجتماعية تبدأ وتنتهي غير مرتبطة بالزمن الا بوثاق اساسها الكلمة الطيبة التي لايتقنها الا الاذكياء ولا يترتب عليها خداع أو ضرر، ولكن كان في صوتها رنة أسف وهي تواصل حديثها: “هؤلاء المنشغلون في صراع مستمر وهم يتظاهرون بحبك وهم يكرهونك، ويدعون انهم ينفعونك وهم يتفننون بمختلف الوسائل لمضرتك، ولا احد يعلم ماتضمره النفوس ومدى رقتها وبشاعتها، فقد يضع البعض خيطا رفيعا فاصلا بين المجاملة والنفاق في حين ان هناك من يجد المسافة مابينهما هي اوسع من بعد المشرق عن المغرب”.

وتقول استاذة علم النفس الدكتورة سناء الخزرجي: ” يمكن اختصار الفرق بين المجاملة والنفاق بمفهوم الصدق عند الناس وماذا يعني بالنسبة لهم، فالمجاملة شعور لطيف يعبرعنه الفرد من خلال كلمات وعبارات تتفق مع صفات الشخص المقصود بالمجاملة، فطالما ان المجاملة تعكس صورة حقيقية عن الاخر، فهي سلوك ايجابي بعيدا كل البعد عن النفاق، ولكن عندما تتعداه الى المبالغة بسمات او قدرات الاخر فهي تضره أكثر مما تنفعه”.

وتضيف الخزرجي: ” لا بأس بعبارات التشجيع التي تعود على رقي الذوق وتقدير مشاعر الناس ومعرفة طبائعهم دون الخوض في تفاصيل يمكن ان تؤدي بالمجاملة الى النفاق، لذلك يشترط الا تتعدى امكانات وقدرات الثاني لانه سوف يتقاعس عن تطوير ذاته، ويبقى عند المرحلة التي هو عليها بسبب المجاملة المقنعة”.

وتؤكد حيدر بأنها غالبا ماتجد نفسها عاجزة عن التمييز بين النفاق والمجاملة بأن: “هناك من لايفرق مابين هذين المفهومين وقد ينتقل بعض الافراد في ما بينهم عدة مرات في اليوم الواحد  دون ان يجد غضاضة في سلوكه او تصرفه، فهو ينظر الى نفاقه الاجتماعي وامتداح الاخر على أنه نوع من انواع المجاملة، حين تجد أن هناك من يراه نفاقا اجتماعيا بامتياز مبنيا على مصالح مشتركة مابين الطرفين، ولو عدنا الى السياق اللغوي لمعنى المجاملة لوجدنا انها ( تصرف منطو على تهذيب ولياقة ومراعاة قواعد السلوك)، وهي بهذا تعني جملة من العبارات اللائقة والآداب المقبولة والمهضومة والتي تؤسس لخلق علاقة يسودها الود والاحترام والتقدير مع الاخر، ولكن بدت على ملامحها علامات الآسى وهي تواصل حديثها:  “تجد هذه العبارات حبرا على ورق في مجتمعنا الذي يسوده بالدرجة الاولى التملق الاجتماعي لكسب رضا الاخر”.

ويقول استاذ علم الاجتماع الدكتور محمدعبد الحسن: “لكل فرد سلوكيات محكومة باعتبارات معينة أولها نظرة الآخرين لما نقوم به من سلوكيات، فان العبارات التي يقولها الفرد ضمن الاطار العام للتوقعات تكون مجاملة محسوبة وخالية من شوائب النفاق، وهناك من يلفظ كلمات خارج التوقعات والسياقات العامة وهنا تخرج المجاملة عن معناها الحقيقي الى نفاق وان كانت تنبع من ذات محبة صادقة من هذا الشخص، فالمبالغة في المجاملة نفاق مجمل، وان قيم العوائد تختلف من فرد لآخر، فعلى سبيل المثال هناك من يعتبر الشكر والتقدير ذا قيمة ومنفعة وقد لايمثل اي قيمة تذكر للبعض الاخر، وعلى جميع هذه الأسس تزيد دافعية الفرد عندما يحصل على عوائد تتناسب مع احتياجاته ، فيقوم بتقدير هذه العوائد خير تقدير بعيدا عن العبارات المنمقة التي تسلب قابلية الفرد على العطاء نتيجة التلاعب بها”.

وتعود حيدر لتكمل حديثها بصوت مليء بالحزن: ” النفاق اليوم أسهم وبشكل كبير في احالة مجتمعنا الى مجتمع صوري تسوده النفعية والتملق والاكاذيب والتي تشكل أهم مخاطر وآثار النفاق التي لايمكن السيطرة عليها، فصور النفاق تختلف باختلاف مهمة المنافق كما تختلف حالات التأثير باختلاف مستويات المنافق والمجال الذي يتحرك فيه، فالنفاق الديني لايقل خطورة عن النفاق الاجتماعي والذي ينعكس بشكل سلبي على دور الدين في رسم قانون السماء في الأرض، وتحقيق العدالة المنشودة من القانون الديني”.

فالنفاق العقائدي يلعب دورا كبيرا في تضييق آفاق الاسلام وبسط نفوده ووجوده” وهذا ما اشار اليه استاذ الحوزة العلمية السيد فالح عزيز الموسوي بالقول:” الحال لا يختلف بالنسبة للنفاق السياسي الذي يمس حياة الناس ومستقبلهم بالصميم ، وهو أشد الآفات وأكثرها خطورة، خاصة عندما يرسم السياسي مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتطور الاقتصادي من الناحية النظرية، الا انه يوظفها عملياً لنفعه وعقده النفسية “.

ويؤكد الموسوي ان: ” المشكلة قائمة في فلسفة النفاق، المبدأ العام فيه الجانب السلبي في تركيبة الذات وهو ما تتفق عليه كلمات علماء الاخلاق والاطباء النفسيين، فهو من الوجهة الدينية يساعد على تكوين شخصية ثنائية ما يؤثر سلبا في محيطه، وهذا ماقاله الله  عز وجل لنبيه الكريم ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ )”.

 

ويقول استاذ الحوزة العلمية ان : ” النفاق مرض اجتماعي وديني خطير لايتناسب مع البنية السليمة للمجتمعات الناجحة وقد حذر الاسلام منه ومن آثاره المدمرة على اختلاف انواع النفاق الديني منه والاجتماعي والسياسي، فالنفاق يعني من بين الكم الكبير من المعاني (إِظْهارُ المرء خِلافَ ما هو عليه، وخِلافَ ما يُبْطِن، أو كَتْمُه خِلافَ ما يُظْهِر) ، وكأن المعيار من الجانب اللغوي هو ما يبطنه الفرد،  فإن كان خيراً فهو مجاملة وان كان شرا او خلاف القناعة فهونفاق”.

ووفقا لعلماء النفس والاجتماع وما اكداه الدكتورعبد الحسن والدكتورة الخزرجي: “فان النفاق يعد مرضا نفسيا واجتماعيا، على المرء أن يتخلص منه وعلى الفرد والمجتمع أخذ الحيطة منه وكذلك الحذر، وبهذا الوصف فان الحد بين المجاملة والنفاق هو ما يراه الاخر، الذي قد يحكم على الامور والتصرفات والسلوكيات على وفق معياره الشخصي او القناعة الذاتية، غير ان من المهم علاقاتنا الاجتماعية وسلوكياتنا تخضع لقاعدة التوقعات الاجتماعية والتي تتبع حجم المنفعة التي تعود على الفرد من عائد معين يحصل عليه، فالنفاق سمة سلبية وكريهة تتعلق بالسمات الشخصية للفرد الذي ينافق الاخر، ولا أقول يجامل لأن النفاق موضوع آخر لا علاقة له بالمجاملة لسببين:” الاول ان المنافق يمتلك من الصفات السيئة ما يجعله يظهر او يبدي ما ليس في قلبه بل العكس، بمعنى انه يتكلم كصديق امام الشخص الاخر، بينما يذمه في غيبته وقد حذر الله تعالى في قرآنه المجيد من المنافق لانه يخفي عكس ما يبدي”.

 

 

وتختتم سالي حيدر حديثها مشيرة الى حلول لعلاج النفاق المستشري في المجتمع بمختلف صنوفه وألوانه والمتمثل بتعزيز الثقة والصدق عند الفرد والتعاون بين رجال الدين وعلماء الاجتماع والنفس على وضع منهجية لاعادة البناء القيمي للفرد .

استلم دفة الحديث عن حيدر السيد الموسوي قائلا:” العدالة الاجتماعية والوسطية الدينية اللتان تتحركان بوحي قوله تعالى ورسوله حيث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( إِنَّ اللَّه لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ و لا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ )،بالتالي سنضمن ان المجتمع بمختلف ألوانه والنفاق بمختلف أشكاله يكون بعيدا أشد البعد عن الناس وعن تعقيدات حياتهم بناء على الوضوح وحالة الهدفية الواضحة، فالهدف المحدد الذي يرسمه الفرد في التعامل مع اهل بيته والتعامل مع المجتمع والدائرة والوظيفة بداية من رجل الدين الذي يتولى المهام الدينية انتهاء بأصغرعنصر من عناصر المجتمع الانساني”.

مقالات ذات صله