النشر الإلكتروني .. نافذة مفتوحة على إبداعات الشباب

بغداد_ متابعة

ثمة أزمات لا ينقطع الحديث عنها تعاني منها سوق النشر الورقي في العالم العربي، خصوصًا مع الأزمات الاقتصادية والمتغيرات السياسية في عدد من البلدان، فضلًا عن مقصات الرقباء التي لا تزال تعبث بالكثير من المضامين وتتحكم فيها، ثم المصادرة والمنع من النشر الذي بات ظاهرة تلازم معارض الكتاب في البلدان العربية، والتي تواجه الكثير من الأقلام العربية المتصدية للحديث في التابوهات المُحرّمة. الكثير من الأسباب جعلت الكتاب الشباب يتجهون إلى النشر الإلكتروني كبديل.

رغم ما أفرزته ظواهر المنع من انتشار واسع للأعمال الأدبية المصادرة والممنوعة على فضاء الإنترنت، الذي يصعب بشكل كبير فرض قيود مماثلة عليه، ساهمت تلك الظواهر في الوقت ذاته في تعزيز الدور الذي بدأه الكثير من الكتاب الشباب على مستوى العالم العربي في بدء “ثورة” في النشر الإلكتروني، مُعلنين رفضهم لاشتراطات دور النشر المجحفة وتكريسها للأسماء ذاتها على مدار سنوات ووضع الكثير من العراقيل أمام الكثير من الكُتّاب الذين ينشرون عملهم الأول.

منذ سنوات قليلة بدأت ظاهرة دور النشر الإلكترونية في الانتشار وتعزيز مكانتها، وما زالت التجربة تشهد المزيد من التوسعات لا يتوانى المؤسسون عن القيام بها، كان آخرها تأسيس أول جائزة للرواية الإلكترونية “جائزة منف”، لتضع الروايات المنشورة إلكترونيا في موضع الصدارة وفي مشهد المنافسة مع الأعمال الروائية المنشورة ورقيًا، بالإضافة إلى ما تقوم به بعض هذه الدور الإلكترونية من معارض للكتب رقميًا، تشارك فيها دور النشر الإلكترونية وتقام فيها الندوات والمسابقات، على غرار معارض الكتب لدور النشر الورقي.

الكاتب والناشر مروان محمد، صاحب دار “حروف منثورة” للنشر الإلكتروني، يُبين في حديثه أن اتجاهه نحو تأسيس دار نشر إلكترونية جاء بعدما واجه عددًا من الصعوبات مع دور النشر الورقية، على رأسها المبالغ الباهظة التي تطلبها تلك الدور من الكاتب مقابل طبعة واحدة من الكتاب، وعدم تقديم أغلب دور النشر أي أرباح للكاتب، فضلًا عن ضعف قدرة أغلبهم على التوزيع والترويج والدعاية للعمل.

ينوه محمد بأن النشر الإلكتروني المجاني على عكس ما سلف؛ إذ لا يكلف صاحب العمل أو صاحب دار النشر الإلكترونية المجانية أي مبالغ لنشره من حيث الإخراج الفني الداخلي وتصميم الغلاف وتنسيقه وأيضا الدعاية الإلكترونية للكتاب، كما أنه قادر على الوصول للقارئ في أي وقت وفي أي مكان متخطيًا كل الحواجز والعوائق، ويمكن أن يقدم في عدد لا متناه من الصفحات التي قد تكون كلها ملونة أو مصحوبة بالكثير من الصور الملونة.

إنجازات كثيرة تم تحقيقها من خلال تجارب النشر الإلكتروني، أهمها على الإطلاق أنها فتحت أفقًا واسعا أمام الكثير من الكتاب غير القادرين على تحمل تكاليف النشر الورقي الباهظة لينشروا أعمالهم ويتفاعلوا بشكل مباشر مع جمهور لا يستهان به من القراء الرقميين، كل هذا كان سيظل مجرد حلم لأي كاتب لو لم يكن هناك نشر إلكتروني، فأي كاتب راغب في النشر الورقي يسعى للنشر من خلال بوابة النشر الإلكتروني لتكون له قاعدة جماهيرية تلتف حوله تشجع أصحاب دور النشر الورقية على أن ينشروا له مجاناً، ولكن يمكن اعتبار هذا الأمر خصيصاً حالات فردية ولا يرقى إلى كونه ظاهرة.

 

ويشير مؤسس جائزة منف للرواية الإلكترونية إلى أن تجربة النشر الإلكتروني منذ ثلاثة أعوام على نحو الدقة لم تكن تجربة مستقرة ولكنها أصبحت الآن تجربة مستقرة راسخة رسمت ملامحها بوضوح وخطت طريقا تسير عليها، وأصبحت أمرا واقعا مسلما به لمن يدعمه أو يرفضه، بل يمكن القول الآن إن هناك بعض دور النشر الورقية تتجه لتحويل البعض من إصداراتها الورقية إلي الإلكتروني بعد أن يمر عليها عدد معين من الطبعات أو المدة الزمنية حسب سياسة كل دار نشر ورقية، وأيضاً قدم النشر الإلكتروني للقارئ العربي الإلكتروني عددا من الأسماء اللامعة ومن ثم تلقفه النشر الورقي نتيجة للمكانة التي حققها إلكترونياً ليعيد نفس هذه التجربة الإيجابية مع النشر الورقي ومحبيه.

منذ سنوات قليلة بدأت ظاهرة دور النشر الإلكترونية في الانتشار وتعزيز مكانتها، وما زالت التجربة تشهد المزيد من التوسعات

وفيما يتعلق بالفئات العمرية التي تتجه نحو النشر الإلكتروني، يقول مروان محمد “بالتأكيد الفئات العمرية من الكتّاب أكثرها من الشباب وذلك لأن الشباب أكثر ارتباطاً ووعياً بالتكنولوجيا من الأجيال التي تسبقه ولكن من خلال تجربة دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني المجاني التي أسستها أستطيع أن أقول إن هناك إقبالا من كبار السن ومتوسطي السن وجيل الشباب على النشر الإلكتروني والإيمان به، أما الأسماء المعروفة أو الأسماء الكبيرة فلا تنشر إلكترونياً مجاناً وفي الغالب تنشر ورقياً فقط لأن الأمر يتحول بالنسبة إليها فيما بعد إلى مصدر للرزق بحيث أن إتاحة أعمالهم مجاناً إلكترونياً تمثل خسارة مادية بالنسبة إلى أغلبهم. لا أبالغ حين أقول إن النشر الورقي في غضون سنوات قليلة قادمة لن يكون قادراً على منافسة الإلكتروني وأحسب أن السنوات القادمة بالنسبة للورقي هي صحوة الموت وليس أكثر وربما أكون مخطئاً في تصوري هذا، ولكني أراه على هذا النحو”.

 

أما عن مثالب النشر الإلكتروني، فيلفت محمد إلى أن بعض دور النشر الإلكترونية لا تهتم بوضع معايير للأعمال المنشورة من حيث جودتها من عدمها أو التحقق من سلامة اللغة، ويشترك في هذا الأمر البعض من دور النشر الورقية إن لم يكن معظمها، أيضاً عدم وجود ضمانة لعدم سرقة العمل أو اقتباسه أو نسبه للغير أو سرقة فكرة العمل، لا توجد أي ضمانات قانونية بهذا الصدد، كما أنه لا توجد أي رقابة من أي نوع على النشر الإلكتروني، أما فكرة الرقابة على محتوى المصنف الأدبي الإلكتروني فشبه منعدمة وهذا أجمل ما في النشر الإلكتروني إذ أنه لا يخضع لأي رقابة من أي نوع.

الكاتب والمترجم يونس بن عمارة صاحب “دار الزنبقة” للنشر الإلكتروني ينوه بأن النشر الورقي ليس نقيضًا للإلكتروني أو خصما له، بل هما كيانان متكاملان ومن هذا المنطلق فإن الإنجاز الكبير له هو تكوين قاعدة قراء للمبدع الكاتب فهذا هو مطلبه الأول، من ثم فإن العديد ممن بدأوا إلكترونيا انتهى بهم الأمر ورقيا، فإنجاز الدور الإلكترونية يتمثل في أنها نجحت في توسيع مجال النشر من الورقي إلى الإلكتروني، ولا أدل على ذلك من جائزة منف التي قدمت دعما لا مشروطا للناشرين الإلكترونيين بنشر الأعمال الإلكترونية بشكل ورقي في منافسة شريفة وبيئة ثقافية مميزة خلقها هذا الوسط الرقمي.

النشر الورقي في غضون سنوات قليلة قادمة لن يكون قادرا على منافسة الإلكتروني

ويلفت بن عمارة إلى أن النشر الإلكتروني ساهم في الترسيخ لعدة أسماء انتقلت من الإلكتروني إلى الورقي، لكن العكس أيضا حاصل؛ فالكثير من الكتاب المعروفين والراسخين في الوسط الثقافي أتاحوا أعمالهم إلكترونيا، وهي تجارب مازالت تحتاج لتأطير أكثر وتنظيم أكبر، ولكن تظل الحصة الأكبر في النشر الإلكتروني للشباب لأنها طريق مفتوحة وسهلة نسبيا للنشر.

يوضح بن عمارة أن غياب المصداقية عن النشر الإلكتروني يعد من أكبر المشاكل الموجودة في ذلك النمط من النشر، فيما تصبح الرقابة في الفضاء الرقمي أداة إيجابية وليست سلبية، فكلما أعلن منع كتاب يصبح الأكثر تحميلا على مواقع الإنترنت ويهرع الناس للحصول عليه، لذلك من الواضح أن النشر الإلكتروني لم يتفوق على الرقابة فحسب بل جعلها أداة مفيدة له ولمشروعه.

في حين يشير الكاتب عبد الرحمن دلول، مؤسس “دار حفد” للنشر الإلكتروني، إلى أن الصعوبات التي واجهها في نشر كتابه الأول ورقيًا هي ما دفعه للتفكير أولًا في النشر الإلكتروني ثم بعد ذلك تأسيس دار نشر إلكترونية تسعى لتخفيف الصعوبات عن الكتاب الشباب الذين يريدون نشر أعمالهم الأولى دون تكاليف باهظة أو شروط معقدة.

ويلفت دلول إلى أن دار حفد لا تضع أي شروط معقدة على عملية النشر، كما أنها تتولى مهمة تصميم الأغلفة والمراجعة اللغوية وتنسيق الصفحات والنصوص، وهو ما منح الكتاب الشباب المبتدئين أو المحليين فرصة أكبر للبدء بنشر أعمالهم على الملأ بلا حدود وروابط، وتلك أهم ما حققته دور النشر الإلكتروني.

من جانبه يرى شريف الجيار، الرئيس السابق لإدارة النشر بالهيئة المصرية العامة للكتاب، أن ثمة تطورًا على صعيد الكتاب الإلكتروني تماشيًا مع التقدم التكنولوجي الكبير والجيل الجديد الذي يعيش عصر السرعة ويتفاعل معه، لا سيما أن الكتب الإلكترونية أسرع في الانتشار وأرخص ثمنًا، وتتاح للدارسين والباحثين والقراء بصورة سهلة بخلاف الكتاب الورقي، فنتيجةً للثورة المعلوماتية الهائلة نجد أن الفرصة مواتية وبقوة لبزوغ الكتاب الإلكتروني بشكل أوسع، وذلك لا يعني تآكل الكتاب الورقي أو انتهاءه، بل على العكس فإن الكتاب الورقي له وجوده وأهميته بناءً على “التعامل النفسي والتفاعل الخاص مع الكتاب الورقي”.

ويلفت الجيار إلى أن ثمة اتجاها واسعا لتعزيز النشر الإلكتروني بالتوسع في المواقع التي تنتج تلك الكتب، وعلى سبيل المثال فإن جامعات مصرية وعلى رأسها جامعة القاهرة لجأت إلى إنشاء مواقع خاصة بالكتب الإلكترونية على اتصال بالجامعات الغربية، كما أن هناك اتجاهًا لدى دور النشر الحكومية المصرية لإنشاء مواقع للكتب الإلكترونية تضم الكتب القديمة التي أنتجتها تلك الدور، كي يتم حفظها وتأكيدًا على أهمية النشر الإلكتروني.

مقالات ذات صله