(النباشون).. صورة مؤلمة تعبر عن ارتفاع مخيف في مؤشرات الفقر بالعراق!

تحقيق – دريد ثامر

في ظاهرة مؤلمة، لها تداعيات على بعض أفراد العوائل العراقية، صحياً واجتماعيا، انتشرت في العاصمة بغداد وبقية المحافظات، وجود مكبات للنفايات بمختلف المساحات، وأماكن للطمر الصحي بشكل مخيف ومزابل عشوائية، صارت أشبه بتلال عالية، حيث أخذت مجاميع من الاحداث وكبار السن وبعض النساء، ( بنبش ) تلك القمامة، من أجل البحث عن الاشياء التي يحتاجون اليها، بواسطة عصا طويلة خصصت لهذا الغرض، نتيجة اتساع مساحات المزابل، فكانت العلب المعدنية والخبز اليابس والنحاس والفافون وكل ما يظنون انه ينفع أو يباع، هو ثمرة نجاح عملهم المضنى يومياً، وسط هذه الاجواء التي أسهمت في مرضهم وربما الى موت الكثير منهم، نتيجة تعرضهم للعديد من الامراض التي تكون هذه الامكان الحاضنة الرئيسية لها  بصورة كبيرة.

(الجورنال) تحدثت مع بعض هؤلاء النباشة، وأخذت رأي الجهات المختصة حول هذه الظاهرة المؤلمة، وانعكاساتها على أفراد تلك الاسر.

عمل متعب ومضني

قال هادي محمود رؤوف ( موظف ) عن هذه الظاهرة،  انه عمل مضي ومرهق، بالنسبة لهؤلاء الناس، لا سيما الاطفال منهم، فهذه المجاميع المنتشرة والتي نراها هنا وهناك، يكون بحثها عن المواد التي تراها مناسبة للبيع والاستفادة منها، مع المشترين لبضائعهم، ولكنهم بهذا العمل يحملون المرض والجوع، وهم لا يعلمون، وحتى ولو علموا، فمن أين يأتون بمبالغ كشفيات الاطباء والعلاج والقائمة تطول، وهم أبناء لاسر فقيرة، تتخذ من هذه الاماكن، مصدرا للرزق، ويعملون في الحصول على كل شيء يخرج من هذه القمامة، كالعلب المعدنية التي يبيعوها بالكيلو غرام الواحد وبسعر رخيص، وعندما يقومون بنبشها، فان الذباب والحشرات تتطاير هنا وهناك، فضلاً عن وجود الكثير من الكلاب المسعورة التي تبحث مثلهم عن المخلفات بين أكوام وأطنان النفايات التي تفوح منها رائحة الموت والمرض.

 السكن قرب المكبات

آمال رائد خليل ( تمتهن هذه المهنة منذ مدة طويلة مع أفراد أسرتها )، قالت: بعد ان كنا نمارس هذه المهنة في بعض مناطق العاصمة بغداد قرب مناطق رمي النفايات، مع أفراد أسرتي وجدناها متعبة ومرهقة جداً، فاتجهنا الى المناطق داخل العاصمة، نجوب الشوارع وننبش بعض الامكان التي تتجمع فيها الازبال، من دون إزعاج من أحد، لنبحث عن أي شيء قد يفيدنا لنبيعه، حتى نعيل عوائلنا، فكان هذا العمل أسهل من تلك الامكان، ولو ان رزقها قليل، ولكنه أحسن، لان كثير من العوائل العراقية، ونحن نقوم بعملنا، يبادرون بإعطائنا، بعض الحاجيات التي يروها عديمة الفائدة بالنسبة لهم، ولكنها في عملنا مفيدة جداً ومربحة.

الفقر هو المسبب

أضاف حامد كريم مجيد ( 13 عاماً ) الذي كان منهمكا بعملية النبش مع غيره، قال، لقد تركت المدرسة، نتيجة عدم مقدرة أهلي على توفير مبالغ الملابس والكتب والمصروف اليومي لي عند بداية كل عام ، فاسهم هذا الامر الى عدم ذهابي لها نهائياً، ولكني كنت حينها، بأمس الحاجة الى بعض المال، ولم أكن أمارس أي عمل وكان التسكع مع أصدقائي همي اليومي، بعدها طلب مني أحد أصدقائي ان نذهب الى اماكن لرمي النفايات، ونبحث عن ما نجده حتى نبيعه، ونستفاد من بعض المال، ففرحت وذهبت معه، فكان العمل صعب جداً، ولكن ما وجدناه من بعض الحاجيات، قمنا ببيعه وحصلنا على بعض المال،  انساني التعب كله، فأصبحت أمارسه يومياً.

علب وخبز يابس

أشار إبراهيم عبد الرزاق سليم ( كاسب ) بقوله، ان عملنا هو  جمع العلب المعدنية والخبز اليابس، حيث نقوم بيع الخبز اليابس والصمون لاناس يشترونه لتقديمه للحيوانات، أما العلب المعدنية فانا أقوم بتسويتها في الارض، لتصبح خفيفة وأصغر حجماً ونقوم ببيعها بالكيلو غرام، وحتى النحاس والرصاص والفافون، عندما نجده، فانه يباع بالوزن أيضا، وقد تعودت على هذه المهنة التي وجدناها أفضل الف مرة من التسكع في الاسواق وبيع المناديل الورقية والماء في الاشارات الضوئية.

المهنة ليست سهلة

شكا حسان طارق جمال ( 18 عاماً ) من الصعوبات التي يجدها في عمله، عندما يقول، ان مهنتنا ليست سهلة كما يتصورها البعض، فهذه المكبات لها اناس مسؤولون عنها، ولا نستطيع ان نمارس عملنا الا من خلال موافقتهم، أو أخذ المال مقابل البحث فيها، لانهم يدعون انهم يشترون جميع السيارات القادمة، لتفريغ حمولاتها من الازبال، لذلك فهي تعتبر ملكاً لهم ولا يسمحون لاحد العبث بها أو ممارسة مهنة النبش الا بعد دفع مبالغ لهم.

ضعف الرقابة

أكد أحمد ماجد علاوي ( طالب جامعي )، ان هؤلاء يمثلون اسرا فقيرة، بعيدة عن انظار المسؤولين، ويسكنون في الامكان العشوائية، لانهم لا يستطيعون دفع مبالغ الايجار التي أصبحت لا تطاق، أما من ناحية الصحة والتعليم، فهذا بعيد عن فكرهم، أو اهتماماتهم، بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي يمرون بها، لذلك فان هذه المناطق غالباً ما تكون موبوءة بالكثير من الامراض، بسبب الحشرات والزواحف والكلاب السائبة التي تتغذى على بقايا الطعام، وبقايا كل شيء، أما هؤلاء الذين كانوا ضحايا الفقر والعازة، فانهم دائماً يشعرون بالفرح والسعادة، عندما يحصلون على دخل يومي لأسرهم وهم يتوهمون بانهم يعملون، بعد ان ينتشروا بشكل يومي في كل مكان تكثر فيه القمامة، ولقد أصبحت مكبات القمامة أكثر من ان تعد وتحصى، بسبب ضعف الرقابة عليهم، حيث أخذ المواطنون يرمون الازبال في أي مكان يردونه، لتصبح بعد أيام مكبات ثانوية يهرع اليها النباشة كل يوم وهم يحملون اكياساً لوضع مقتنياتهم وحصاد عملهم اليومي بين المزابل، التي ابتلى بها الناس القريبة منها بسبب عدم مبالات بعض المواطنين، وهم يرمون ما هو فائض من منزلهم.

التخطيط تكشف!

من جانبها أعلنت وزارة التخطيط عن ارتفاع نسبة الفقر في العراق الى 22.5 بالمئة وارتفاع النمو السكاني 3 بالمئة سنويا.

وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي في تصريح صحفي، ان نسبة الفقر ارتفعت نهاية عام 2014 الى 22.5 بالمئة بعد ان انخفضت نسبته في بداية العام نفسه الى 15 بالمئة وفق آخر مسح أجرته الوزارة.

 مبينا ان النسبة ارتفعت بعد سقوط مدينة الموصل ومدن أخرى بيد عصابات داعش الإرهابية ونزوح أكثر من 3 ملايين نازح وهم في عداد الفقراء.

موضحا ان الوزارة تسعى الى إعداد دراسة جديدة نهاية العام الجاري لتحديد النسبة الجديدة للفقر في البلد.

 مضيفا ان الوزارة كانت تعمل في السابق ضمن الاستراتيجية الوطنية للتخفيف من الفقر في العراق ولكن هذه الاستراتيجية انتهت وكان لها الفضل في خفض نسبة الفقر الى 15 بالمئة بداية عام 2014 ولكن وبسبب الظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد توقفت بعض المشاريع والان نحاول مع البنك الدولي لأعداد استراتيجية جديدة للأعوام 2017 -2020 فضلا عن وجود توجه للوزارة لأنشاء صندوق التخفيف من الفقر في العراق وهذا الصندوق يحصل على الاعانات الدولية إضافة الى اسهامات الموازنة من أجل انشاء مشاريع بإمكانها تحسين مستوى الفرد العراقي.

 وعن النمو السكاني أشار الهنداوي الى ان نسبة النمو السكاني في العراق مرتفعة حيث ان العراق من البلدان التي تتمتع بنسبة نمو سكاني عالية تصل الى 3بالمئة سنويا أي يكون واقع الزيادة السكانية مليون نسمة في كل عام.

وكانت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قد ناقشت مع مجلس البنك الدولي بحضور رئيس لجنة العمل النيابية صادق المحنا آلية الشمول في المناطق الاشد فقرا واتخذت محافظتي المثنى والديوانية مقياسا للمناطق الاشد فقرا.

مقالات ذات صله