المقاطعة الإلكترونية … ضغائن وتهميش لمعنى التواصل   

بغداد_ متابعة

يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي التي تهدف في أساسها الى تعزيز تواصل الناس بعضهم ببعض، تحولت في الآونة الأخيرة إلى مفهوم معاكس، لتنقل خلافات وصدامات الحياة اليومية التي كانت واقعية للعالم الافتراضي.

وتحولت وسائل التواصل لأداة مقاطعة وحرب وضغينة “الكترونية”، ليحجز الخلاف مقعده في عالم افتراضي بتطبيقات مختلفة على هذه الوسائل فيسبوك أو تويتر او الواتس اب وحتى الانستغرام، من خلال “الحظر” الذي يوصل رسائل تقول في مجملها “لا اطيقك”، او “ارفض الحديث معك” او لا تكلمني”.

اختصاصيو الاجتماع والنفس والاعلام الاجتماعي اجمعوا على أن الأصل في مثل هذه الوسائل ان تفتح قنوات الاتصال بين الناس وتقرب المسافات وتحسن نوعية التواصل والاتصال، لكن الفهم الخاطئ لها واعتبارها واقعا بديلا يحول دون فهمها واستخدامها بالشكل الصحيح، فضلا عن اقحام  هذه التقنيات التكنولوجيا في خصوصيتنا لتتحول المشاعر الحقيقة لمشاعر افتراضية تفتقد للعمق والاثر والتواصل.

الحل الأسهل تقنيا هو “البلوك” او الحظر بحسب السيدة زين غنام التي لجأت للحظر عبر الفسبوك والواتس اب، خصوصا حين باتت الحرب علنية بينها وبين احدى صديقاتها السابقات التي تكتب تعليقات ساخرة وكلاما مبطنا على الحائط الافتراضي.

ومن هنا، وبحسب غنام وبالرغم من حالة الجفاء بينها وبين صديقتها وجدت ان افضل طريقة للتعامل مع هذه الشخصية هي “حظرها” من مبدأ “اختصار للشر” وبحثا عن راحة البال.

من جهته يعتبر الاختصاصي النفسي د. سعد محمود هادي أن الواقع البديل او الافتراضي يأتي بعقلية  ولغة مختلفة، لكن المجتمع ما يزال كما هو في مشاعره وتواصله وطريقة تعامله، ومن هنا فإن نقل اي مقاطعة من الواقع لهذا العالم البديل تبتعد عن الحقيقة، وعن المواجهة والمصارحة وتصبح اشبه بطريقة هرب وتجنب  للمواجهة.

ويبين هادي أن هذا يجعل من الأمر غاية في “السذاجة”، فهنالك أشخاص ينفصلون عن واقعهم، رغم أن الأصل أن تكون العلاقات في الحياة اليومية، وتحقيق الإنجازات فيها، أما الانتقال للفضاء الافتراضي وقياس المشاعر عبره، فذلك أمر بعيد عن المنطقية والدقة والعمق؛ حيث إن العلاقات الإنسانية فيها ضعيفة وغير مكتملة الأركان وخالية من المشاعر المتدفقة وجافة.

اما السيد جهاد الزبيدي فيذهب إلى أن الخلافات التي تحصل بين الناس في الحياة اليومية زادت، ووجدت في العالم الافتراضي جسرا لها لتعميق الخلاف وقطع كل الطرق على الطرف الاخر كي لا يحصل اي خلاف مجددا وحتى لقطع السبل للتواصل، وهو حل اخير حين لا يجدي الاعتذار وحتى العتاب والمصالحة.

ويضيف الزبيدي ان الاصل ان يقوم الفرد بالابتعاد عمن يختلف معهم، ويمنحهم فترة حتى تهدأ الأمور قبل ان يعاود الاقتراب منهم وحل النزاع والخلاف، دون أن يلجا للحظر والمقاطعة عبر اي وسيلة تتيح له الاتصال بهم.

ويشير إلى أن العلاقات الانسانية ثمينة والتواصل معهم غاية في الأهمية والتي لا يمكن تبديل عمقها بحسب الزعبي باي تقنية او تطبيق مهما كان متداولا.

وبحسب أرقام غير رسمية نشرت عبر مواقع الكترونيه، بينت توسع قاعدة مستخدمي شبكة الإنترنت في العراق لتضمّ مع نهاية العام الماضي حوالي 5.7 مليون مستخدم، تشكل جزءا أساسيا من الحياة اليومية للعراقيين في التواصل الاجتماعي أو لتسيير أمور العمل..

ويشير مستشار ومدرب الاعلام الاجتماعي خالد احمد الى أن هناك من يسيء فهم استخدام هذه التطبيقات الاجتماعية، فتصبح أداة سلبية، فالخطاب الموجه عبر هذه الوسائل يخضع لصاحبه وهو من يحدده، خصوصا ان الغاية من هذه الوسيلة بكافة اشكالها هي خلق التواصل.

ويضيف احمد أن الاعلام الاجتماعي عموما أشبه بـ “مضخة عامة” يبث عبرها كل شيء، والخطاب فيها متاح للجميع لكن حين يتحول لخطاب حاد  دون ان يدرك مستخدمها، هنا يتحول الأمر لمسألة انتقائية تقضي وضع حد لها والحل هنا يكون بـ “الحظر” او الغاء التواصل، لأن الضرر بات اكثر من النفع.

وتختلف ردود الفعل في التعامل مع من يريد الشخص التواصل معه او مقاطعته، ووجدت السيدة ريم ان أفضل بداية لها في عملها الجديد هو قطع العلاقات مع مكان عملها السابق الذي لم يكن مريحا.

وتلفت أن هذا الحل الأنسب لما مرت به من خلاف مع زميلتها في مكان عملها السابق، لتلجأ للتخلص من قائمة كبيرة من اي صديق مشترك يذكرها بذلك المكان، وحتى مقاطعة اي من له صلة بأشخاص على صلة بهذه “الشخصية المزعجة “وحتى ذلك المكان.

وفي تجربة مختلفة تصف سعاد حداد تصرف احدى صديقاتها المزاجية في استخدام “الحظر” والمقاطعة، حيث من دون سابق انذار تزيلها من صفحة الفيسبوك، او توقف التواصل عبر اي وسيلة الكترونية معها، ومن ثم تعيد فك الحظر حين تهدأ وتتصرف وكان شيئا لم يكن.

وتوضح حداد أنها وكرد فعل على مثل هذه المزاجية التي تعتبرها كنوع من الاستهتار في تقدير العلاقة بين الصديقات، عاملتها بالمثل لتلقنها، مبينة ان النتيجة كانت ايجابية.

ويعلق د. سعد محمود هادي على من يقوم بمثل هذه التصرفات، أنه صاحب شخصية غير قادرة على الغضب، تبحث عن التعاطف في محاولة لجذب الانتباه، مبينا انها شخصيات “هستيرية” لديها مشاعر بسيطة واحيانا تكون “سطحية” وتنتقل من أعلى إلى أسفل في لحظات.

وفي الوقت الذي يرى في الاختصاصي الاجتماعي د. حسن خزاعي أن التكنولوجيا فرضت نفسها  وتدخلت في كل تفاصيل حياتنا اليومية، خصوصا حين تتعمق الصداقات والتواصل عبرها، الا ان الممارسات السلبية من جهة تحول من اتمام الغاية .

ويرى خزاعي ان البعض يلجأ للتأثير في العالم الافتراضي من خلال ردود الفعل التي يتلقاها بعد التأثر من المجتمع، ويبحث عن اشباع لحاجاته ورغباته النفسية والشعورية في هذا العالم الافتراضي، معتبرا اياه بديلا لعالم حقيقي ما يجعل صاحبه ينتهي إلى عزلة وغياب عن العالم الواقعي.

ويلفت خزاعي الى انه مهما كان الخلاف كبيرا لا يجب ان تتحول الصداقات والمعارف لعلاقات هامشية. وفي الوقت نفسه يستنكر تحول هذه الوسيلة لاستخدام سلبي نتيجة اقحامها في كل الخصوصيات، لأن المجتمعات الافتراضيّة تبقى في مُجمَلِهَا هَشّة ما لم تتأسس على علاقات سابقة في العالم الواقعي.

وأخيرا؛ يرى هادي أنه من المخجل فعلا نقل الأمراض الاجتماعية وتحولها لضغائن الكترونية، مشيرا الى ان المجتمع يعيش بمرحلة انتقالية ولم يتأقلم وما يزال غير قادر على تحديد مكانة كونه يمر في متغيرات مختلفة بين قديم وحديث ويتعامل مع كل موقف بشكل مختلف.

وينوه الى ان هذه الأدوات التكنولوجية هي ادوات تواصل، لكنها تحمل حياة افتراضية، خصوصا على صعيد المشاعر؛ حيث يعيش الإنسان كينونته الاجتماعية بطريقة غير حقيقية، وهذا من شأنه أن يقلل من التواصل الحقيقي على حساب التواصل الافتراضي الوهمي.

مقالات ذات صله