“المصلحة ام الطابقين “… مقاعد متجوّلة تسرد حكايا روّادها ومفارقاتهم

بغداد_ متابعة

مثلما يُخرج ساحر السيرك الطيور والأرانب والقطط من قبعته، يخرج جابي المصلحة الحكايات من جيوب زيّه الذي كان يثير فضول الكثير من رواد باص المصلحة وبشكل خاص طلاب الجامعات الذين كانوا يناكدونه بزيهم الجامعي. كان ثمة جابٍ يعرف أسرار كل مقاعد الباص، هنا يجلس الطلاب، هناك العشاق، لصوص الجيوب يفضلون ذاك المقعد، بينما تفضل بائعات الهوى المقاعد المتناظرة او المتقابلة ففرصة صيد الرجال تكون اكثـر، فيما يجلس محبو القراءة في الطابق الثاني اذ يتلصص بعضهم على العشاق الذين غالبا ما يسرعون بالصعود صوب الطابق العلوي في مقدمة الباص. كان يعرف حتى حكايا وقفشات الصبيان والمراهقين وهم يتركون كتاباتهم على المقاعد الصلدة. كان مزاج الجابي اليومي يشبه الى حد ما لون كارت الصعود الى الحافلة والذي يختلف من يوم الى آخر…

عوالم تشيخوف وسحر ماركيز
بين طيّات الكتب وكلاسيكيات الأدب الروسي وعوالم تشيخوف وسحر ماركيز التي اتم قراءتها في خطوط باصات 4 من الميدان فالباب الشرقي عبر شارع الرشيد فساحة النصر ثم تم تمديده الى ساحة الأندلس. و 63  ساحة الميدان – الثورة ، يحتفظ هيثم بتذاكر صعود الحافلة والايام التي اتم بها قراءة كل كتاب، كانت الحافلة مكتبته الجوالة التي ترمي به من شارع الى آخر ومن ساحة الى اخرى، يتبدل ركاب الخط، في الذهاب يصعد طلاب الكليات والمدارس عائدين الى بيوتهم، حيث يستبدلهم عمال البناء والمصانع الصغيرة، وهم يسردون تفاصيل عملهم التي غالبا ما تكحّل مزاح الطلبة وقفشات بعضهم البعض، كان هيثم يرصد بعض تلك التفاصيل، ويعيد تشكيلها من زواية قارئ نهم، يضع الخطوط الموصلة بين شخوص الروايات والقصص واشخاص الواقع الساردين لحكايهم دون تصنيفات أدبية.

مقعد الباص سارداً
أثير المكان ليس ببعيد عن مقاعد باص المصلحة، فثمة علاقة غير منظورة بينه وبين الراكب، فالكرسي يأخذ هنا دور السارد والشاهد على جملة احداث وتفاصيل لاتختلف كثيرا عن المكان الثابت بتعريفه الذي ربما يخالف تعريف المتحرك والذي اقصد به هنا (مقعد) الباص الذي يمكنه ان يقصّ، ويمثّل، ويروي، ويحكي، ويرسم. مثلما يمكنه ان يتناسخ مع كل راكب وجالس، ففي قصيدته المطولة (الكرسي) يحوله الشاعر الكردي شيركو بيكس الى سارد للوجع الكردي ولمدينته السليمانية اذ يروي عن الاغتصاب والتعطيش، والسحل، عن العيون المقتلعة من محاجرها، والدخان المخيم على أفق المدينة، والضباب الذي يغطي كل شيء. عن القتلى والمذبوحين من الوريد إلى الوريد. عن المشانق، والجثث التي دحرجوها من أعالي الجبال لتملأ الأودية السحيقة، وعن أشياء كثيرة حدثت.

لكل مقعد حكاية
لمقاعد الطابق العلوي حكايا غير مروية او مكتوبة ربما يتناقل بعضها، لكن الكثير منها في بات طي النسيان فعسى ان تسرد على شفاه جابٍ او راكب او احد صعاليك الباصات الباحثين عن الهدوء اللذيذ والتجوال غير المكلف، ثمة مقعد في مقدمة الطابق العلوي للمصلحة، من جهة السائق اي اليسار، يحمل بين جنباته آلاف حكايا العشق والحب، كلمات التغزل والأشعار المحفوظة، مازال يذكر كيف جرح احد العشاق اصبعه وخط اول حرف من اسم حبيبته وحرف اسمه الاول، اللذين بقي اثرهما لسنين، دوّن عشاق آخرون حروفهم، وقص حكاياتهم. فيما كان المقعد الذي يليه مخصصا لخطف قبلة او تبادلها لحظة خلو الطابق من الراكبين، اذ بات العشاق ضالعون باوقات الصعود والنزول والوصول الى مواقف الباصات المنتشرة على طوال الخط.

مقاعدهن …  فخاخ اصطياد
غالبا ما تجدهن جالسات في المقاعد الرباعية المتقابلة فهي فرصة ملائمة وسهلة لاصطياد الرجال، احداهن ،حسب الجابي، تعاقدت مع احد المقاعد، فتارة في المحطة الاولى تقتنص الزبون، وتارة في المحطة الثانية وربما في المحطة الاخيرة، وذات مرة عاد الخط ولم يفلح فخّها بالاصطياد، وحين سألها عن السبب ردت: يمكن العطر مغشوش وقشمرني بيه قاسم ابو الكماليات.
في مرآة السائق التي ترى كل شبر في الحافلة، وبشكل خاص (مقاعدهن) كان هناك تلصص لسائق كلما سنحت الفرصة، فتارة يرصد ابتسامة، واخرى سحب القميص او فتح احد أزراره العلوية بشكل عشوائي وتارة حين تتعمد الانحناء لإبراز مفاتن صدرها علّها تجد أعيناً راصدة تقع في الفخ.

الانضباط العسكري (قاطع الأرزاق)
تبتهج سهام وهذا اسمها (الحركي) المعروفة به في بعض الخطوط النقل، حين يقابلها رجل (يصبغ شعره) فهي ترى فيه صيداً سهلاً، واغلبهم  يتمتع بوضع مالي جيد. حتى ان زميلاتها في بقية الخطوط يتمازحن معها كلما صادفهن رجل يصبغ شعره. سهام كانت تجد في فصل الصيف الوقت الأمثل لصيد الرجال، فعادة ما ترتدي ملابس خفيفية شفافة، وقميصا بأزرار مفتوحة من الصدر يظهر ما يعلو النهدين، سهام التي احالت نفسها اليوم الى التقاعد، لم تترك اي فرصة سانحة للصعود الى باص المصلحة، والجلوس في مقعدها المعتاد متذكرة اياما عصفت بها سني العمر، راجعة بذاكرتها الى الباص السابق ووجوه ركابها وزي الجابي، والانضباط العسكري ودورياته التي كانت تفقدهن الكثير من الزبائن. حتى اطلقن عليه لقب(قاطع الأرزاق).

المقاعد جدران للأمنيات
للصبيان والمراهقين حكاياتهم مع مقاعد الباصات فمنهم من كان يعبث ومنهم من كان يسجل يوميته وامنياته، بعيدا عن أعين الجابي ومرآة السائق المتصلطة على جميع ركاب الباص، ومنهم العابثون بالمقاعد والذين يسقط بعضهم بيد الجابي. ثمة كتابات لطيفة كما يراها الجابي الذي اعتاد محو بعضها خاصة تلك التي تحمل الكلام البذيء ومنها ما يعجبه من حكم وابيات شعر، المفارقة ،حسب احد الجباة الذي مازال في الخدمة، في العقود الماضية كانت كل القصائد بالفصحى ولشعراء كبار، اما الان فاغلبها بالعامية او الشعبية وياليتها لشعراء حقيقيين، الكثير منها كلام فارغ لايصلح حتى لحديث المقاهي، كما وصفه.

ساعد الجابي
من المفارقات ان الطلاب كانوا يتسابقون في محاولة قراءة عبارة في الباص بصورة صحيحة ( ساعد الجابي بأصغر نقد كافٍ) بعضهم كان يعمل بالعبارة وآخر كان يتعمد اتعاب الجابي ثأرا لمراقبة سابقة له وهو يحاول سرقة قبلة من (حبيبته) او يمرح بخصلات شعرها… كان الكثير منهم يعد باص المصلحة ( الأمانة ) شريان المواصلات في شوارع العاصمة التي كانت تتميز بها دون المدن الاخرى، مع توفر خدمة اشتراك بسعر مخفض للطلاب على شكل دفتر بطاقات وفيها صورة الطالب. ضياء، الذي اكمل دراسته الجامعية متنقلا في الباص ذهابا وايابا، ثم اكمل خدمته متنقلا في الباص ايضا الذي يعده بمثابة رحلة سياحية مجانية في شوارع العاصمة، اذ كان يتعمد الخروج باكرا في الصباح والذهاب باحد الخطوط الى كرخ العاصمة والعودة على خط آخر الى كليته.

الباص مكان ثابت
يروي الشاعر نصير فليح حادثة من سورياليات الواقع العراقي ومن عجائب الإنس والجن : حدث في عام 2003 ان شخصا كان يبيع مصلحة نقل ركاب حمراء ذات الطابقين، ولما لم يحصل على السعر الذي يريده (وكان 60 الفا ويسلم السويج والمصلحة وصلت 50) ان قام نكاية بمن بخسوا بضاعته ان باع الكشنات (المقاعد) تفصيخ، وبعد ان ظلت المصلحة من الداخل عارية قام بتأجيرها سكن طابقين، وحيث انه ليس فيها تصريف مياه وخدمات، فقد وجد لها مكانا ثابتا قرب احدى دورات المياه في باب المعظم وعندها لم يعد بحاجة الى الإطارات ايضا والمحرك…الخ…فباعها جميعا…المشكلة الوحيدة التي ندم فيها ولم يفكر فيها مسبقا هي كيفية اخلاء المستاجرين “قانونيا”!.

مقعد الباص
ولكبار السن والمتقاعدين مقاعدهم ايضا فبعضهم لم يكن يهوى الجلوس في البيت خاصة في الاشهر الاولى للاحالة على التقاعد، ولانه لايستطيع الجلوس في المقهى، فابتكر صعود الحافلات والتجوال في ارجاء العاصمة، اذ يسلمه خط الى آخر حتى يحين موعد انتهاء الدوام ليعود الى بيته، وهكذا حتى تناقصت ساعات التجوال والخطوط بعد اشهر، ابو سلام احدهم كان كلما يشعر بالملل من الجلوس في البيت يعتلى الطابق العلوي في الباص خاصة المنطلق باتجاه الكرخ عابرا به دجلة، كانت ساعات المساء الصيفي تمثل السينما المتنقلة حيث يلعب مقعد الباص دور كرسي صالة السينما الصيفي. او كما يقول ابو سلام كانت الجولة تشبه اليوم مايسمى تلفزيون الواقع.

مقالات ذات صله