المشحوف السومري … صناعة تندثر في بلاد الرافدين

الجورنال – متابعة

تندثر إحدى أعرق الصناعات التراثيّة في العراق، إذ لم يتبق من ورش صناعة “المشحوف السومريّ” سوى بضع عشرات في أنحاء البلاد.

تحدّث رزاق جبار صاحب زورق “المشحوف” بفخر في 25 آذار من عام 2018 عن اصطحابه رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي في جولة بالزورق أثناء زيارته في 14 أيلول من عام 2017 لهذه المسطّحات المائيّة التي دخلت لائحة التراث العالميّ في 18 تمّوز من عام 2016.

هذا الصانع اليدويّ للزوارق، هو “واحد من بين الخمسين صانعاً المتبقّين لهذه المراكب التقليديّة الصنع، بعد انحسار أعدادهم في مناطق جنوب العراق، حيث حافظت وسائط النقل النهريّة على وجودها إلى الآن، متحدّية التقنيّات الحديثة في صناعة المراكب”، وفق رئيس منظّمة الجبايش للسياحة رعد حبيب الأسدي، الذي قال أيضاً “إنّ الصنّاع المهرة لـ”المشاحيف” في تناقص مستمرّ، ولم يتبق منهم سوى بضع عشرات يتوزّعون في مناطق الجبايش، البصرة، الحلّة، والكوفة، حيث تتواجد الأنهر العريضة والمستنقعات“.

أضاف: “ترصد منظّمتنا اضمحلال هذه الصناعة التراثيّة، وكيف يهجرها صنّاعها بحثاً عن أعمال أخرى، في وقت تتناقص فيه مناسيب المياه ويزداد جفاف الأنهر والمستنقعات“.

وتابع: “أطلقت المنظّمة عبر وسائل الإعلام التحذيرات من اندثار المشحوف السومريّ ولم نلق تجاوباً“.

ويعود تاريخ المشحوف السومريّ إلى الحضارة السومريّة، التي بزغت في العراق قبل نحو 5 آلاف عام قبل الميلاد، حيث صنع صنّاع سكّان العراق القديم المشاحيف من مادّة القار المستخدمة في الوقت الحاضر أيضاً.

وأشار رعد الأسدي إلى أنّ “صناعة القوارب انحسرت بشكل واضح منذ عمليّات تجفيف الأهوار في ثمانينيّات القرن الماضي من قبل الدولة، التي سعت الى إخراج المعارضين الذين يختبئون وسط غابات القصب والبردي في الأهوار، الأمر الذي اضطرّ الأهالي إلى الهجرة.

ومع جفاف الكثير من الأهوار والأنهر في أنحاء العراق بسبب انخفاض مناسيب المياه، اختفى الكثير من الورش الخاصّة بهذه الصناعة التراثية“.

وقد تم تخفيض مساحة 7700 ميل مربع إلى 3500 ميل مربع في السبعينيات و 290 ميل مربع في التسعينيات، بعد اجراءات صدام.

وقادنا الأسدي الى إحدى الأسر العريقة في ممارسة هذه المهنة منذ عشرات السنين، بمنطقة الجبايش، وهي أسرة آل كنبر، حيث قال علي كنبر، وهو أحد أبنائها: “إنّ اخشاب التوت والسدر والجاوي المقاومة للماء وملحقات القصب والبردي التي تنمو في الأهوار، تشكّل هيكل المشحوف، فيما حلّت مادّة الفايبرغلاس الصناعيّة أيضاً في بناء البلم، بعد أن كان يبطّن بالقطن الذي يملأ الفراغات بين الألواح الخشبيّة المقوّسة التي ترسم شكل المشحوف الانسيابيّ، لتطلى بعد ذلك بالقار والزيوت التي تحول دون تسرّب الماء والرطوبة إلى بطن الزورق“.

واشتهرت مناطق الأهوار وأنهار وسط العراق وجنوبه، بأنواع عدّة من المراكب يميّزها الناس من خلال شكلها وطريقة صنعها، ومنها: “البلم المشحوف” لنقل الأغراض المختلفة، “الكعد” لنقل الناس، “السمكي” لصيد الأسماك، و”بلم الجلبوت” للنزهات النهريّة.

لم تنقص أعداد المشاحيف فحسب، بل صغرت أحجامها أيضاً”، وفق علي كنبر الذي قال: “لقد انتفت الحاجة إليها في الكثير من عمليّات نقل الأغذية ومنتجات الزراعة ونقل الحيوانات، وحلّت محلّها المركبات التي تصل إلى أقصى الأنحاء. كما حلّت الزوارق التي تعمل بالوقود محلّ التقليديّة، الأمر الذي أطاح بصناعتها التي تتطلّب جهداً ووقتاً وأخشاباً خاصّة ومهارات نادرة“.

وفي منطقة “كريطعة” في الحلّة مركز محافظة بابل (وسط) “لم يتبق من الورش المحليّة لبناء القوارب التي تجوب مياه نهر الحلّة، سوى 4″، بحسب البلام والحرفيّ في صناعتها حسين الخفاجي، “إنّ المدينة كانت تعجّ بقوارب الصيد والنزهة التي تصنعها تلك الورش“.

أضاف: “ينتشر في بابل، النوع المعروف باسم البلم، الذي يستخدم للنزهة النهريّة والصيد، وتبلغ تكاليف صناعته بين 500 و1000 دولار، فيما يصل سعر بعض الأنواع إلى 4 آلاف دولار“.

وبالقرب من نهر الكوفة، أحد فروع نهر الفرات (جنوب)، لم يتبق من الورش الكثيرة في صناعة المراكب، سوى 4 ورش، وفق الشيخ حيدر الكوفي، الذي تعلّم المهنة من أسرته التي أتقنت المهارات منذ نحو 200 عام، وقال “إنّ نهر الكوفة شاهد على الآلاف من المراكب التي صنعتها الورش المحليّة“.

أضاف: “لقد بات ذلك جزءاً من الماضي، حين كان شارع الكورنيش يضمّ نحو 30 ورشة لصناعة المشاحيف، ولم يتبق الآن سوى نحو 10 من المهنيّين الذين يتقنون هذه الصناعة“.

وتابع قوله بألم: “نحن نصنع اليوم بالكاد بين نحو 4 و5 زوارق بسبب قلّة الإقبال عليها“.

من جهتها، أشارت رئيسة اللجنة الزراعيّة والعضو في مجلس محافظة بابل سهيلة عبّاس إلى أنّ هناك أسباباً أخرى لانحسار هذه الصناعة التراثيّة، منها “انتفاء الحاجة إليها بحكم تطوّر وسائل النقل الأخرى”، معتبرة أنّ “انخفاض مناسيب الأنهر أدّى إلى تقلّص أعداد الصيّادين وانتفاء الحاجة إلى نقل المنتجات الزراعيّة بواسطتها”، وقالت: “لن يمضي وقت طويل حتّى تختفي هذه الورش تماماً، الأمر الذي يستدعي تدخّل الجهات المعنيّة بالصناعات التراثيّة لتدارك الأمر، قبل أن يصبح المشحوف مجرّد ذكرى في المتاحف“.

وانسجم عضو لجنة السياحة والآثار في البرلمان العراقيّ عبد الهادي موحان السعداوي مع القلق الذي أبداه المتحدّثون في التقرير، من احتمال اختفاء أحد رموز الماء والأهوار، وهو المشحوف، إذ قال: “إنّ انخفاض الحاجة إلى هذا النوع من المراكب في الكثير من المناطق التي تمرّ بها الأنهر، يجعل من ورش صناعتها واجهة تراثيّة جديرة بالدعم والتطوير من قبل الجهات التراثيّة في وزارة الثقافة“.

أضاف موحان السعداوي: “على وزارة الصناعة دعم أصحاب المهارات والحرفيّين وتشجيعهم على الاستمرار في ممارسة المهنة وتطوير الابتكار فيها، لأنّها تمثّل رمزاً وطنيّاً تاريخيّاً عمره نحو 5 آلاف سنة.

وإنّ المشحوف المستخدم في الأهوار اليوم هو مشحوف حضارة سومر وبابل ذاته، في الشكل والموادّ الأوليّة، كما تُظهر الرسوم والآثار التاريخيّة ذلك“.

مقالات ذات صله