المزيقة تراثنا||خالد القشطيني

كان من نتائج افلاس الدولة ان اغلقت وزارة الثقافة المركز الثقافي العراقي في لندن. ولم لا ؟ اذا فشلنا في طرد داعش، نستطيع على الأقل ان نطرد الثقافة.  وكانت ضربة نجلاء في صدر المهتمين بالثقافة العراقية. يد ان عزيمة المثقفين العراقيين اليساريين لا تنفل فواصلوا جهودهم في المؤسسة الطوعية ” المقهى الثقافي العراقي” . لا توجد فيه قهوة ولا ساقي و لا نرجيلة ، و لكنه يعج بعناصر الثقافة العراقية و العالمية.

استمعنا فيه قبل ايام لمحاضرة عن الموسيقى الشعبية العراقية قدمها الموسيقي عمار علو ، عازف السكسفون ، آلة من ابعد ما يمكن عن انغام الطرب الشعبي العراقي. لو رآها فلاح عراقي لتصور انها مبولة إفرنج يشخ فيها الافندية. تحدث عمار فقسم الموسيقى عندنا الى اقسام، منها الموسيقى الشعبية التي تعتمد على الدمام و النقارة و المطبك. و منها ايضا موسيقى المقام التي تعتمد على السنطور و الدنبك و الجوزة. تأتي بعدها موسيقى ” المزيقة” التي تعتمد على الابواق و الطبل و الدمام. يعتمد العراقيون عليها للاحتفال بشتى المناسبات المباركة، اولها – كما تصور الاستاذ المحاضر – مناسبات الاعراس و مناسبات الختان، او الطهور. و فيها يستعد صاحب البوق لأطلاق اعلى ما يمكن من زعيقه حالما يمد المطهرجي مقصه او سكينته لقص  حفشة القضيب فيختلط فيها زعيقه بهلاهل النسوة فلا تسمع صرخات الصبي المسكين. وهذه اول فصل من فصول حياته الجنسية المعذبة التي تنتظره.

تلي ذلك موسيقى المزيقة ، وهي ايضا المجال السائد لمناسبات إنجاز المعاملات الرسمية . وهنا ضج جمهور المقهى الثقافي في الضحك ، تصورا منهم بأنها فرع جديد دشنته الحكومة العراقية عن قيامها بواجباتها نحو الجمهور بحيث يسرع المواطن المراجع الى استئجار جوق موسيقي ليحتفل بإنجاز معاملته ، فيسير المراجع امام الطبول و الدمام و الابواق النحاسية ، شاهرا بوريقة  قرار الحكومة بإبرام ما استحقه من حقوق. يفرج عليها الجمهور بإبتسامة عريضة و لسان حاله يقول ” انجزتها و الله بمائة دولار للمأمور “. فيصفق له المارة و يقبلونه تبركا بإنجاز معاملته.

هكذا تصورنا ، بيد ان السيد المحاضر واصل كلامه فقال هذا تقليد موسيقي عراقي يعود للعهد العثماني. ففي ذلك الزمن، كان على المراجعين ان يبعثوا بمعاملاتهم الى اسطنبول ، و ربما يسافرون معها على التخت روان. و عندما يرجع كما يرجع الحجاج من بيت الله الحرام، وقد نالوا مرامهم يستقبلهم ذووهم بجوق موسيقي، طبالين و دماميين و آلاجية ، يمشي وراءه احتفالا بإنجاز المعاملة ، مصحوبا بهلاهل  النسوة و تصفيق الاحباء. لقد حصل على فرمان السلطان.

و يدل كل ذلك على مدى التطور الذي حققه العراق منذ خروجه من الاحتلال العثماني انتقالا الى الاحتلال الامريكي. اصبح المراجع الآن لا يحتاج لتخت روان ينقله للاستانة و إنما يدفع فكة دولارات لخريج جامعة سائق تكسي يوصله لدائرة الطابو او مديرية التقاعد و ينتظر… و ينتظر…

وهذا ما لم يفكر به بتهوفن او موتزارت او هايدن عندما الفوا مزيقة سمفونياتهم، ولا كل الباحثين في تاريخ الموسيقى. بيد ان الاستاذ عمار علو ارشدنا لهذا النوع العراقي الاصيل من الفنون الموسيقية، مزيقة انجاز المعاملات!

مقالات ذات صله