الماركات التجارية القديمة .. خزائن للذكريات الثمينة وجودة في الاستعمال

بغداد_ متابعة

رغم مرور أربعين عاما على شرائه ثلاجة «ناشيونال» اليابانية، إلا أن الستيني حميد هادي يحتفظ بها حتى الآن، ويعمل على إدامتها بين الحين والآخر. وبوجه تعلوه ابتسامة الرضا والسعادة يقول الستيني: «أحتفظ هذه الثلاجة منذ أربعين عاما، إذ أهداني إياها والدي في يوم زواجي، وأوصاني بالحفاظ عليها والاهتمام بها، إذ كانت من الماركات الجيدة، والغالية الثمن آنذاك، فلم يكن بمقدور الكثيرين شراؤها واقتناؤها، لذلك أنا أحافظ عليها باستمرار لأنها رافقتني على مدى هذا العمر الطويل فأصبحت كالصديق الوفي الذي ليس بمقدوري التخلي عنه». وبهذا الخصوص تقول أستاذة علم النفس في جامعة بغداد الدكتورة شيماء عبد العزيز: «بالرغم من أن المواطن أصبح اليوم على تماس مباشر مع التكنولوجيا، لكن هذا لم يمنعه من الاعتزاز بالأشياء القديمة، والرغبة في المحافظة عليها خصوصا الأجهزة الكهربائية وبعض الأدوات المنزلية التي يعتقد المواطن انها الأفضل والأكثر جودة ورصانة، كما أن الأجهزة والأدوات المنزلية الحديثة تمتاز بقصر عمرها مقارنة بالقديمة لأن البلدان العربية أصبحت بمثابة أسواق لتصريف البضائع، لأننا نعد مجتمعات مستهلكة، لذا فنحن نكون بانتظار ما تطرحه الأسواق العالمية حتى نسارع الى اقتنائه، في الوقت الذي تخطو فيه صناعتنا خطوات بطيئة ومتعثرة، كما أن الدول المصنعة لا تهتم بمتانة البضاعة أو الجهاز الالكتروني، وغالبا ما تكون أعمارها قصيرة الأمد، بعيدا عن الرصانة والجودة وإطالة عمر السلعة».

وفي ما يخص استهلاك الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية القديمة للتيار الكهربائي، يقول الفني الكهربائي عقيل محمد: «هناك الكثير من العائلات العراقية التي تحتفظ بالأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية القديمة الصنع، على الرغم من أن استهلاكها للطاقة الكهربائية كبير جدا، إذ تستهلك فولتية كبيرة وتيارا كهربائيا عاليا، فضلا عن حجمها الكبير، مقارنة بالحديثة التي تمتاز برخص ثمنها وصغر حجمها واستهلاكها القليل للطاقة الكهربائية، إلا أن تعلقهم بهذه الأجهزة يأتي غالبا من ذكريات رافقتهم، إذ ما زال هناك الكثيرون يقومون بإصلاح أجهزتهم القديمة ولا يفكرون باستبدالها ظنا منهم انها فريدة من نوعها ويصعب تقليدها».

يروي الستيني قصة تعلقه بثلاجته القديمة قائلا: «أنا لا أعدها جهازا كهربائيا أستفيد منه فقط، بل هي جزء من تاريخ عائلتي كنت أنقلها معي أثناء تنقلي من منزل الى آخر، إذ رافقتني منذ أن كنت في سن العشرين، وأرفض فكرة بيعها أو استبدالها وأحافظ على إدامتها بشكل مستمر لأني أعتقد أن الماركات القديمة، لا يمكن أن يأتي مثلها، إذ الملاحظ ان الحديثة غير قابلة للاستهلاك لفترات زمنية طويلة».

وبهذا الشأن يقول الفني: «إن السلع القديمة تمتاز بأعمارها الطويلة مقارنة بالحديثة، إذ كان المصنعون آنذاك يهتمون بجودتها وجعل أعمارها الافتراضية طويلة جدا فلا يلجأ المستهلك الى استبدالها إلا بعد سنوات طويلة، أما الحديثة فأصبحت أعمارها الافتراضية صغيرة، حتى يضطر المستهلك الى تبديلها باستمرار، وبالتالي تضمن الدول الصناعية وجود سوق لتصريف منتجاتهم وبضائعهم بشكل مستمر دون توقف».

مضى أكثر من خمسة عشر عاما وما زال الثلاثيني يوسف أمير يحتفظ بمبردته القديمة الصنع من نوع صلاح الدين، التي تمتاز بحجمها الكبير واستهلاكها الأكبر للتيار الكهربائي، إلا أن أمير يعتز بها كثيرا رغم تندر زملائه عليه وإصرارهم على أن يغيرها.

ويقول الثلاثيني: «أحتتفظ بها لأنها من مقتنياتي القديمة، إذ اشتريتها بأول راتب حكومي لي، ولا يمكن أن أغيرها أبدا لأنها شهدت معي أفراحا وأحزانا كثيرة ولن أتخلص منها، على الرغم من تعرضها للعطل أكثر من مرة، إلا أنني أقوم بإصلاحها حتى أضمن بقاءها صالحة للعمل والاستخدام، كما أنني لا أحبذ الإسراف في تغيير الأجهزة والأدوات المنزلية باستمرار بدون مبرر».

وتشير عبد العزيز الى «أن آثار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من الممكن أن تظل قابعة في نفوس الناس، ويصبح لديهم قلق وهاجس مستمران، كما أن الأوضاع التي مر بها مجتمعنا خصوصا في حالة العوز والفقر التي لم تترافق مع سنوات الحصار فقط، بل عصفت بالبلاد ظروف مختلفة جعلت المواطن في حالة خوف مستمر وعدم ثقة بالمستقبل، لذلك دعته الى الاحتفاظ بمقتنياته القديمة وعدم تبديلها».

وبداخل ورشته الهندسية في بغداد تكدست الأجهزة الكهربائية ومن ضمنها التلفزيونات، إذ كان صاحب مركز الفهد الهندسي كريم فهد يقوم بإصلاح بعض الأجهزة العاطلة ويقول: «يفضل بعض المواطنين مواكبة التطور الحاصل في البلاد، لذا يسعون الى انتقاء الأجهزة الكهربائية الجديدة ذات التقنيات المتعددة، وهناك آخرون لا يمتلكون القدرة الشرائية اللازمة، لذلك يقومون بتصليح أجهزتهم وإدامتها بشكل مستمر، حتى يضمنوا عملها بشكل جيد ويلبي احتياجاتهم».

ويتابع «بعض الناس يفضلون الماركات الرخيصة الثمن كالصينية وذلك لرخص ثمنها، وايضا توفرها بكثرة في الأسواق وإمكانية الحصول عليها بسهولة، أما الأميركية فروادها قليلون وذلك لغلاء أسعارها، فضلا عن غلاء أدواتها الاحتياطية، وأحيانا صعوبة الحصول على تلك الأدوات، علما ان بعض الأجهزة عند إصلاحها تحتاج الى أدوات احتياطية مقاربة للأصلية، وأخرى لا يمكن إصلاحها إلا بأدواتها الاحتياطية من المنشأ ذاته».

 

تجمع وسناء علي الأجهزة والأدوات المنزلية، بشكل مستمر وتحرص على مواكبة الأسواق المحلية ومواقع الانترنت، حتى لا يفوتها أي موديل جديد من الأجهزة الحديثة الصنع، ذات الماركات الغالية.

وبينما ترتب حاجياتها وأدواتها تقول وسناء: «أرغب بمواكبة التطور والتكنولوجيا، لذلك أحرص على اقتناء الأجهزة الحديثة، بدءا بالتلفزيونات، ووصولا الى أدوات المطبخ المتعددة الأغراض، ولا أهتم كثيرا لأسعار هذه الأجهزة حتى لو كانت غالية الثمن، فالمهم عندي أن أحصل عليها واستخدمها لأن التطور التكنولوجي يجب تسخيره لخدمة الإنسان، وتسهيل شؤون حياته، ففي السابق كانت النساء خ    صوصا يعانين من صعوبات في الحياة وفي أداء مهامهن المنزلية، أما اليوم فكل الصعاب تكاد تختفي بفضل الاختراعات الحديثة والتقنيات المختلفة».

وتوضح أستاذة علم النفس انه «بعد العام 2003 تغيرت الكثير من الظروف وأصبح هناك ترف مادي للكثيرين، لذا بدؤوا يقتنون الأشياء والأجهزة مختلفة المناشئ، حتى يعوضوا عن سنوات الحرمان وشظف العيش، ولكن ما زال هناك الكثير من العائلات التي تقتصد بمصاريفها المختلفة، وتحافظ على الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية القديمة خصوصا الماركات القديمة، التي كانت رائجة قبل العام 2003 لإيمانهم برصانتها وجودتها».

مشيرة الى «أنه من المفترض أن يكون هناك تقنين واهتمام بالأجهزة والمقتنيات المنزلية، لأن الإنسان معرض للأزمات الاقتصادية، لذا لا بد أن يبتعد عن الإسراف، وبصورة عامة فإن الشخصية العراقية معروفة بميلها للحفاظ على الأشياء القديمة، والاعتناء بها بشكل مستمر، لذلك تبقى لفترات طويلة قيد الاستخدام، وربما هذا جاء من الأزمات التي تعرض لها وتركت آثارها النفسية والمادية والاجتماعية في الشخص، فأصبح يصعب التخلص من آثارها بسهولة».

لافتة الى أنه «بعد الأزمة الاقتصادية التي بدأت مؤخرا هناك من أصبح يفضل تصليح أدواته وأجهزته الكهربائية والمنزلية، توفيرا للنقود، وآخرون فضلوا شراء أجهزة جديدة لا تعاني من الأعطال وايضا مواكبة للحداثة والتطور التكنولوجي».

مقالات ذات صله