الفضائيات البدوية!!

علي سعدون

تتنافس الفضائيات فيما بينها لحصد اكبر نسبة من المشاهدة، فينشغل المسؤولون عنها والمخططون لسياساتها بفكرة التنافس التي صارت تقليدية، بل هي سمة من سمات العمل الاعلامي في الفضائيات العربية والعالمية، فيما تغط الفضائيات العراقية في سبات طويل بسبب من عدم وجود استقلالية في خطابها الإعلامي، فضلا عن خضوعها الفظ للقرار السياسي الذي غالبا ما يبدو منغلقا وانفعاليا بحكم طبيعة الصراع السياسي في عراق ما بعد الاحتلال، وهو صراع سينعكس على ذلك الخطاب فيجعل منه مجرد رد فعل على خطاب سياسي مسبق باعتباره خطاب الخصم الذي ولدت الفضائية من أجله وبدعواه وبسببه!

هذه في الحقيقة نزعة (بدوية) في استخدام وسائل الاعلام التي باتت عصب الحياة الجديدة والمعاصرة في حقبة ما بعد الحداثة، التي لا يرى فيها السياسيون سوى فسحة لاستعراض جنونهم السياسي بالغ الفوضى النكوص والتردي، بل ان معظمهم يرى الى فضائيته بوصفها نافذة للمتلقي العراقي، على غرار (القناتين الوحيدتين) في الحقبة الدكتاتورية الغابرة، فيتناسى هذا البدوي، العدد المهول من الفضائيات التي لم تبق على شيء إلا وأخضعته لمشارط وعيها وتمثيلاتها المهنية المتخصصة، اضافة الى التغطيات الاعلامية الرصينة والتحليلات السياسية ونوعية الضيوف وخلفياتهم المعرفية.. الخ ،  بعيدا عن نزعة البداوة التي ننشغل كثيرا بمثلها في فضائياتنا وخطابنا الاعلامي الذي يتوجه الى المواطن وهو يدوخ اليوم بالمتغيرات والأحداث والأخبار المروعة.

وبطبيعة الحال، فان البداوة الجديدة في النظر الى الاعلام المرئي على وجه الخصوص، ستقرأ اهتمامات الرأي العام وفقاً لمزاجها الذي سينظر الى الحقيقة بعين واحدة، فيما سيغضّ الاخرى عن الرؤية التي تفيد بحرية التلقي بسبب تعدد منافذه وإغراءات ما تقوم به كبريات الفضائيات في العالم، ناهيك عن اهمية الانترنت وشيوع استخدامه التي ستقلل من ساعات المشاهدة التقليدية لفضائيات البداوة وأفقها الذي بدأ ينحسر تدريجياً. إذ سينشغل هذا المتلقي (المغلوب على أمره) كثيرا بمواقع الانترنت التي يتصاعد تأثيرها اليوم على نحو غير مسبوق، الامر الذي انتبهت اليه فضائيات العالم فصارت تتنافس هي الاخرى بمواقعها الالكترونية لتعويض الهدر في التلقي التقليدي، بينما يصر (البدوي) على التراجع والتقهقر كلما ازدادت مقومات الحاجة الى خطاب اعلامي مهم ومؤثر!

تعلن الفضائيات اليوم عن نفسها في الشارع، لبرنامج مهم او مادة سياسية او تاريخية، من خلال لافتات ضخمة تزاحم القارئ والمتلقي في الارصفة وطريق العمل وواجهات المحال المعروفة، لتحقيق نسبة المشاهدة التي سترتبط ايضا بتجارة الاعلان وازدهارها في الفضائيات. يحدث هذا في الفضائيات الرصينة، فيما تقبع فكرة (التلفزيون) والشاشة الصغيرة، في ذهنية البدوي الذي افسد السياسة ومؤسسات الدولة ومستقبل البلد ونموه الذي انتظره العراقيون بأناة ونفاد صبر، لا لشيء سوى انه يتمتع بعقلية القرون الوسطى، ولا يصغي جيدا للخطاب المعرفي والثقافي والسياسي الذي تنتجه النخبة التي لا يسمعها احد على الإطلاق، لاسيما البدوي الجديد الذي يجثم على الصدور الى ما شاء الله ..!

مقالات ذات صله