العيد والنفسية العراقية ||خالد القشطيني

   ما من شيء يعكس النفسية السوداوية للعراقيين كهوسهم بالقبور والمقابر. كثيرا ما سألني اخواننا العرب ونحن نستمع الى شيء من اغاني المقام العراقي واغاني سليمة مراد، لماذا كل هذا الأنين والبكاء في اغانيكم أنتم يا عراقيين؟ سمعت ذلك حتى من أكثر الدول العربية فقرا وشقاء ومع ذلك لم تتسم اغانيهم بما يتسم به الغناء العراقي. بينما تجد المصريين على فقرهم يضحكون وينكتون، تجد العراقيين على ثروتهم وغنى بلادهم وسخاء رواتبهم وسرقاتهم المليونية يبكون ويلعنون.

          وقد وجدت هوس العراقيين بالقبور والمقابر خير تعبيرعن مزاجهم ونفسيتهم الملانخولية. ولم أجد ما هو أكثر تعبيرا عن هذا الهوس بالموت والمقابر كعادة استقبال العيد السعيد بزيارة قبور موتاهم في الصباح الباكر في اليوم الأول من كل عيد والجلوس بجانب القبر للانطلاق في نوبة عجيبة من النحيب والبكاء والتمسح بأحجار القبر وكإنها خدود الميت وجيده ويديه. واعتقد انهم سيجدون في عيد الفطر هذا ما يكفي من القبور ويفيض عن الحاجة وزيادة. ولا شك أنهم سيجدون ايضا من المأساة والألم في حياتهم الراهنة وكثرة الفساد وقلة الكهرباء والماء ومصيرهم الغامض ما يبرر أي نحيب وبكاء وزيادة.

          هكذا كان واجبنا كأطفال ان ننهض من فراشنا في الصباح الباكر. نلبس ملابسنا الجديدة ونمشط شعرنا ونعد أنفسنا في أبهى منظر ونسرع الى المقبرة لينظر الينا فقيدنا ويرى كيف سنبكي عليه. تقول الوالدة لأبنها: يا الله أسرع! لازم توصل للقبر قبل ما تطلع الشمس حتى يشوفك ابوك من قبره.” هذا على اعتبار ان الموتى ينامون بعد طلوع الشمس ويستفيقون عندما تغرب.

          وبعد ان ينتهي الزائر من واجب البكاء يجلس ليستمع لتلاوة القرآن الكريم، سورة ياسين، السورة المفضلة منها، يتلوها عليه أحد المقرئين المحترفين الواقفين عند باب المقبرة. وهذا هو المكان الذي يأخذ شكل السوق الحرة التي تكلم عنها آدم سمث وآمنت بها مرغريت ثاتشر. تجري المساومة على اجرة التلاوة. وهو ما فعلته ام وليد. جاءت لتبكي ابنها الفقيد الذي قتل في قادسية صدام. طلب منها درهمين، مائة فلس ثمنا للتلاوة ووجدت ذلك مجحفا فساومته. وكان يوم كساد في التلاوات فقبل بأجرة عشرين فلسا صافيا فقط. حمل مصحفه معه وقادته السيدة الثكلى الى قبر ابنها وليد حيث جلس بجانب القبر وانطلق بتلاوة مقطع من الذكر الحكيم بصوته الأجش الى ان وصل: ” يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم…” الى آخر الآية، فلم تتمالك ام وليد – وقد استولى عليها الاكتئاب والقلق واغرورقت عيناها بالدموع – غير ان تقاطع المقرئ فراحت تتوسل به: ” عيني الله يخليك، ما شفت آية بالقرآن غير هذي الآية عن جهنم وعذاب الآخرة تقراها للمرحوم ابني الشهيد وتخوفه وتخلي قلبه يحتصر. يعني ماكو شي آخر عن ذكر الجنة وخيراتها؟”

          واجابها المقرئ:” خالة وانت اش اعطيتيني؟ كلها عشرين فلس! تريدين بها يلبس ثياب من سندسن وإستبرق ويقعد مع المتكئين على ارائك الجنة خالدين فيها بين ولدان وحور؟ …وكلها تريديها بعشرين فلس؟”

مقالات ذات صله