العطلة الصيفية تقذف بالأطفال على أرصفة المهن الصعبة

تحقيق -كريم كلش

تصوير – محمد كلش

 مع انتهاء الموسم الدراسي ازدادت بشكل لافت للنظر ظاهرة عمل الاطفال الذين يمارسون اعمالا شاقة مثل الحدادة والنجارة والبيع في تقاطعات المرور وداخل الاسواق الشعبية بعدما دفعهم الى ذلك تدهور الاوضاع الاقتصادية وصعوبة العيش وغلاء الاسعار، تتراوح اعمار اغلبهم بين (12-14) سنة الهبت الشمس وجوههم الغضة لقاء رغيف خبز.

تجولت (الجورنال) في الاسواق ومحال المهن الشاقة وتقاطعات الطرق وأجرت حوارات مع أطفال يعملون في كل شيء من أجل ان لا يعود أحدهم الى المنزل خالي الوفاض.

تقاطعات المرور

يقول (سامي/13عاما) وهو بائع سكائر في احد تقاطعات المرور في شارع فلسطين: جئت لأعمل هنا لكي اساعد عائلتي المكونة من سبعة افراد التي كان ابي رحمه الله يعيلها قبل استشهاده في احد الاعمال الإرهابية، ولم اجد سبيلا امامي الا العمل الذي ينقذني واسرتي من الوضع الاقتصادي الصعب وغلاء الاسعار ويوفر لنا رغيف الخبز، والحمد لله فأنا أحصل من خلال عملي هذا على عشرة آلاف دينار يوميا.

الطفل (سجاد علي/13عاما) قال: قبل ايام من انتهاء الامتحانات المدرسية بدأت اخرج الى العمل بشكل يومي حتى أجنب عائلتي الجوع واستطيع شراء أشياء يحتاجها البيت، نمر يوميا بأزمات يفتعلها التجار وبسببها تزداد اسعار بعض السلع، ولهذا أنا في هذا السوق ابيع اكياس النايلون واحصل لقاء ذلك على 7 الاف دينار يوميا.

(داطلي) للبيع

اما الطفل (سيف صلاح /12 عاما) فيقول: والدي يعمل طوال الشهر ولكنه يعجز عن توفير متطلباتنا اليومية ونحن (8) اطفال وانا اكبرهم، لذلك اضطر الى العمل في بداية العطلة الصيفية حتى اساعد والدي على توفير لقمة العيش، وعندما كنت في المدرسة كنت اشاهد بعض اصدقائي يأتون وفي جيوبهم مبالغ كبيرة من المال ويشترون ما يحلو لهم وانا انظر اليهم بحسرة ولا استطيع شراء اي شيء، لذا خرجت اليوم لبيع الداطلي في شوارع بغداد حتى اتمكن من تحسين وضعي المادي واعطاء المبلغ المتبقي لأهلي.

على الرغم من صغر سنه كان (احمد / 11عاما) قوي البنية ومفتول العضلات يعمل من دون كلل او ملل في رفع الصناديق الممتلئة بالسلع وحملها بعربته الخشبية، لجأ الى هذه المهنة التي لا تتناسب مع عمره واتخذ من الشورجة مكانا لعمله مع العشرات من الأطفال، يقول (احمد): ان عربتي هذه افضل من السيارة فهي تؤمن مصدر رزق عائلتي ولجأت الى هذا العمل بسبب الظروف المعيشية الصعبة لأسرتي بعدما كان والدي يعيلنا لكنه استشهد في انفجار سيارة مفخخة في منطقة الباب الشرقي، كان رحمه الله ينتظر رزقه في مسطر العمال فرزقه الله الشهادة ولم اجد سبيلا سوى العمل لأعيل اخوتي وأمي فأنا الذكر الوحيد بين اربع أناث والله هو المعين.

 (محمد قاسم) طفل صغير جدا ورغم الدهون السوداء التي غطت ملابسه ووجهه وجزء من جسمه ورأسه ولكنه يبدو جميلا بعمر الزهور يعمل في محل تصليح سيارات وتبديل الدهون بأجر يومي قدره خمسة الاف دينار عدا (البخشيش) الذي ينعش (يوميته)، يقول (محمد): أنا أبن لموظف في دائرة حكومية ولي (8) أخوة صغار ولا يكفي راتب والدي لمعيشتنا، وبعد انتهاء الموسم الدراسي بدأت اعمل وبشكل يومي في هذا المحل وحين اعود الى المنزل اشتري بعض الخضار والفواكه حتى بدأت اشعر بأنني اساند ابي في توفير متطلبات العيش.

وفي الإشارة الضوئية عدة اطفال يتسابقون للوصول الى السيارات عارضين بضاعتهم التي غالبا ما تكون موزا او مناديل ورقية او علب بيبسي كولا على الركاب او السائق بطريقة لا تخلو من توسل، يقول (ابراهيم/11عاما): اتجهت الى بيع المناديل الورقية في الإشارة الضوئية وانا في هذا العمر بعدما بدأت العطلة الصيفية وأجد في هذا العمل متعة مع اصدقائي برغم حرارة الشمس والتعب حتى احصل على مبلغ من المال اعيل به اسرتي فوالدي المقعد لا يحصل على اعانات كافية من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

وفي احد الاسواق الشعبية وبالتحديد في منطقة الباب المعظم لا يملك (حسين) البالغ من العمر (9) سنوات الا قليلا من اكياس النايلون التي يبيعها على المتبضعين بسعر (250) دينار لكل كيسين، يقول (حسين) الذي علا الغبار وجهه الاسمر: لا اجيد غير هذا العمل كي اكسب قوت عائلتي وابيع اكياس النايلون منذ افتتاح السوق وحتى ما قبل المغرب لأنني اخاف الظلام، وهو عمل سهل لا يحتاج الى بنية جسمانية او عضلات.

اثناء العطلة

واشار الطالب زياد خالد مرحلة رابعة في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد الى ان ظاهرة عمل الاطفال تزداد بشكل ملفت للنظر مع بداية العطلة الصيفية وانتهاء الموسم الدراسي، اذ تضطر بعض العوائل الى دفع اطفالها لمزاولة هذه الاعمال الشاقة لحاجتها الماسة الى النقود في ظل وضع اقتصادي يقترب من خط الفقر.

واضاف ان السبب لهذه الظاهرة هو ارتفاع اسعار المواد الغذائية وتراجع مدخولات العوائل داعيا منظمة اليونيسيف ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية الى احتضانهم وتوفير اجواء مناسبة للعمل في قاعات مغلقة يتناسب مع اعمارهم ويوفر لهم القوت اليومي.

وفي هذا الصدد اكد تقرير صادر عن منظمة الامم المتحدة ان اطفال العراق يتعرضون للخطر وسوء المعاملة وان الذين يدرسون في المدارس الابتدائية مهملون ويعملون في ايام العطلة الصيفية بطريقة مرهقة ومتعبة ولا تتناسب مع وضعهم ومجتمعهم وبلادهم الغنية بالنفط حيث دفعت الحالة الاقتصادية المتردية العوائل الى زج ابنائهم من الطلبة في بداية العطلة الصيفية الى الاعمال التي عادة ما تستمر الى عشر ساعات أو أكثر.

مقالات ذات صله