الطلاق الوهمي … موضة جديدة ووسيلة للتحايل على القضاء والشرع

بغداد_ متابعة

وبينما كانت (ن،م) جالسة تنتظر ان يوقع القاضي على اوراق طلاقها، بدأ المحامي يلقي مرافعته بصوت واطئ، ولكنه ارتفع بعد ذلك ارتفاع الموج متوقفا بضع دقائق، وهو يتعمد ان يكون حديثه في صلب مشاكلهم الخاصة، لكي يجرها للعدول عن هذا الانفصال الذي سيؤثر وبشكل سلبي على اولادهم في المستقبل ولكن دون جدوى!فقد اصرت ذات الثلاثة والثلاثين عاما على رأيها، وفجأة خيم الصمت ارجاء المكان ومرت دقيقة رأت خلالها حياتها مشهدا مشهدا منذ زواجها وحتى ولادة ابنتها البكر، ولم يقطع سيل تلك المشاهد سوى صوت زوجها وهو يقول: انت طالق؟!
ويقول المحامي الذي رفض الاشارة الى اسمه:
” ما من كلمة تمتلك قوة كافية لتصف ماشاهدته عيناي في تلك الغرفة، كأن ستارة قد ازيحت وظهرت الحقيقة، الحقيقة الناصعة وراء هذا الانفصال، فقد كان الزوج ينطق لفظة الطلاق بنبرة فارغة زائفة، لان في اعماقه كان يريد الاحتفاظ بهذا الزواج المليء بالأكاذيب والاحتيال والالتزام الخادع المسمى الوفاء، خلف كواليس محكمة الاحوال الشخصية “. توقف المحامي عن الكلام لصعوبة الوضع ثم اكمل عبارته: ” هذا الطلاق لم يكن الا بقصد التحايل على القضاء لاغراض خاصة معظمها مغيبة عن الجهات المعنية، ولايمكن اثباتها لانها تمت باتفاق مسبق من قبل الطرفين”.
ويقول الخبير القضائي علي سلمان البيضاني:” تترتب عن الطلاق المصدق بقرار حكم من محكمة الاحوال الشخصية آثار قانونية وشرعية، بغض النظرعن السبب الحقيقي  وراء هذا الانفصال، اذ لايمكن محاسبة الزوجين عن الطلاق الوهمي، ويعد نافذا بالدرجة القطعية، اذا لم يطعن به خلال عشرة ايام وعليه ترسل نسخة منه الى الجهات التي لها علاقة بهذا الانفصال، وان طعن به احد الطرفين واكد على استمرارالحياة الزوجية بعقد خارج المحكمة يصدق الزواج، ويحال الزوج الى محكمة الجنح بتهمة ارتكاب جنحة نص عليها قانون الاحوال الشخصية والتي توجز بايقاع عقوبة الحبس او دفع غرامة مالية مقدارها (250000 ) دينار بحق الزوج لعقد زواجه خارج المحكمة، وتنتهي حالة الطلاق واثارها والامتيازات التي تم الحصول عليها من تاريخ الزواج الجديد “.
ومن بين كل تلك النساء المنتحبات الغارقات في بحور احزانهن امام مبنى محكمة الاحوال الشخصية وعلى بضعة كراس قديمة متناثرة معظمها سقط خوص قاعدته لكثرة ترددهن في هذا المكان، انطلقت (ن،م) تشق طريقها و كل ذرة من ذرات وجهها تبعث برسالة مفادها بان هذا الانفصال لم يكن الا كحبل احتيال على القانون خاصة فيما يخص الحقوق التقاعدية، وهذا ما اكده الخبير في الشؤون التقاعدية الذي رفض بشدة الحديث عن احكام القانون الموحد رقم 9 لسنة 2014 ، لكنه وافق بشرط الا نذكر اسمه الصريح،
واوضح:”تمنح دائرة التقاعد العامة راتبا تقاعديا للمطلقة عن ذويها ومن توفي زوجها بشرط ان لايكون لها ابن معيل بسن الثامنة عشرة، ولا تستلم راتبا من اية جهة حكومية اخرى، وعليها ان تلتزم بالقانون في حالة زواجها او تعيينها، اذ لايجوز استلام راتبين في آن واحد، بدت على ملامحه علامات الاستياء  والتذمر”.
ويواصل حديثه:”هناك من تخالف هذه الشروط وتستمر باستلام الراتب التقاعدي حتى بعد تعيينها، ويتم كشف امرها من خلال برنامج تقاطع المعلومات الذي يؤكد على انها موظفة تستلم راتبا من هذه الجهة، وهنا تقوم دائرة التقاعد بقطع راتبها الذي منحته لها واسترداد المبالغ المستلمة”.
ويقول استاذ الحوزة العلمية السيد عماد الموسوي: ” الزواج ينتهي شرعا وقانونا اذا ما قال الرجل للمرأة انت طالق، اذا لايوجد في الشارع الاسلامي مايسمى الطلاق الوهمي، غير ان هناك من يتحايل على المفاهيم المقدسة للزواج بحيل تتبرأ وتنفر منها طباع كل انسان مستقيم سوي عن هذا الخلق المتدني الذي يسمح للزوج ان يجعل من زواجه عقدا تجاريا، بعض المغالطات التي حدثت في زمن الرسول (ص) من الصحابة فيما يخص الزواج، فقد اخذ يقول من تزوج المرأة لمالها وجمالها حرمه الله منها وهذه اشارة الى الامراض النفسية عند بعض الرجال الذين لايعرفون قيمة هذا الزواج”.
وما اكثر الخروقات القانونية التي ارتفعت عنها اغطيتها وفاحت رائحتها وبدأت تزكم الانوف وتعمي العيون للتلاعب بعقد الزواج قانونيا، واعادته شرعا من اجل الحصول على صورة قيد من دائرة النفوس واخذ هوية الورثة للاستيلاء على رواتب المتوفين، وهذا الامر مخالف لقانون المنح، فالزوج مكلف شرعا وقانونا باعالتها، ولكن اكمل الجملة الخبير التقاعدي بصوت مليء بالاسى: ” لايمكن اثبات هذا التحايل مهما استنفذت دائرة التقاعد العامة من صلاحيات لكشفه، ومن الاسئلة التي ظلت دائرة التقاعد عالقة عبثا تبحث عن اجوبتها المستحيلة، عندما تؤشر المرأة زواجها في دائرة النفوس وتستمر في استلام الراتب التقاعدي لذويها، ولايتم كشف تلك الخروقات الا اذا كان الحظ حليف هيئة التقاعد، خاصة اذا توفي زوجها فعند مطالبة الزوجة بحقوق زوجها المتوفى لاطفالها، يتضح انها تستلم راتبا عن ذويها وهي متزوجة، فلا تنظرهيئة التقاعد بموضوع منح اطفالها الراتب التقاعدي اذا لم تسدد جميع الرواتب من تاريخ زواجها الى وفاة زوجها”.

ومن الناحية الشرعية يؤكد الموسوي ان: “هذا المال الذي يؤخذ عن هذا الزواج مال سحت وحرام،  فمن اخذ درهما من حرام اكبه الله على وجهه في نار جهنم، والله ينادي في كتابه الكريم ( لَا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) وهذا هو عين الباطل لانك مخادع وتكذب (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هٰذا حلال وهَٰذَا حرام لتفتروا على الله الْكذب)،  انت ايها المسلم عندما تتحايل بفصل زوجك وبقيمة زوجك فما اوهنك وما اوهن هذا العلاقة التي هي اوهن من بيت العنكبوت، وماقيمة هذه المرأة التي تستسيغ وتقبل لنفسها ان يأخذ قبال شخصها وكرامتها وحقها وواجبها بضعة من الاموال، الا تعسا لهذه القيمة الانسانية التي تنزل الى هذا  المستوى”.

ويطالب الموسوي جميع المؤسسات الدينية:”بان يكون عقد الزواج عقدا رسميا مقيدا بوثيقة من القانون الصادر ولا يعتمد على عقد السيد وعقد الشيخ، ولتطهير الزواج من هذه الشوائب الدخيلة والتلاعب بالوثيقة الدينية، لان هناك قضية اسمها احترام النظام وعدم الاخلال به تحت عنوان الطلاق الوهمي، واتخاذ العقد الشرعي وسيلة للتحايل على القضاء لذلك نجد المرأة الارملة عندما تتزوج لاتعقد حتى تبقى تأخذ حقوق الزوج الاول وهنالك من تطلق ولاتعقد حتى تبقى تأخذ حقوق المرأة المطلقة اي خواء انساني اي نزعة انسانية قد خلا منها الانسان”.ويلقي الخبير التقاعدي ضوءا ساطعا على الحلول التي يمكن ان تؤخذ بنظرالاعتبار من الجهات المعنية للحد من التحايل على دائرة التقاعد باسم القانون:” اولها ان تتولى المحاكم الشرعية بعض الاجراءات للتحقق من هيئة التقاعد فيما اذا كانت هذه المواطنة لديها راتب تقاعدي ام لا ، وعلى ضوء ذلك يتم عقد القران واعلام دائرة التقاعد لاجراء اللازم، وهذا ما سيضمن حق الدولة للكشف عن صرف الرواتب التقاعدية المخالفة للشروط، واخرها يجب ان يكون هناك تعاون من قبل المؤسسات الحكومية التي تفتح ابواب التعيين على الملاك الدائم، ان تقوم برفع اشعار للتقاعد للتأكد قبل المباشرة بتعيين الراغبة في العمل اذا ما كان لديها راتب تقاعدي ام لا  لمعالجة الموضوع بالتنسيق مع هذه المؤسسة لاسترداد المصروف الزائد بعد اصدار قرار التعيين ان  وجد”.

مقالات ذات صله