السينما العراقية.. بنايات مهجورة والحروب قضت على صناعتها

أكثر من قرن مرّ على نشوء السينما العراقية، منذ عُرِض أوّلُ فيلم عام 1909. لكنها بقيت، منذ ذلك التاريخ، دون المستوى المطلوب، الذي لا يتناسب وعمرها، بحسب مختصّين بها. أول عرض فيلم سينمائي (سينماتوغراف) أُقيم في 26 تموز/ يوليو 1909، في “دار الشفاء” (الكرخ)، التي سُمِّيَت لاحقاً “سينما بلوكي”، نسبة إلى تاجر يستورد الآلات، كان معروفًا آنذاك في العراق.
ومنذ ذلك التاريخ، ظلّ القطاع الخاص يستورد الأفلام ويوزّعها، لكن الحظّ لم يحالفه في بدء الإنتاج، إلا في الأربعينيات، وتحديدا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ بدأت بعدها صناعة الفيلم في العراق، عندما شرع أثرياء بتكوين شركات سينمائية، أولها “شركة أفلام بغداد المحدودة”، التي نالت إجازة عمل عام 1942، لكنها لم تُوَفَّق بإنتاج أي فيلم.
من جهته، يرى المخرج أيمن التميمي أن سبب الإخفاق كامنٌ في الانكسارات التي مرّ البلد بها، وفي الحروب المتتالية التي خاضها العراق، بالإضافة إلى أن الحكومات والطبقات المنتِجة لعبت دورًا رئيسيًا في تردّي الإنتاج السينمائي، بشكل عام: “أكثر الأفلام المنافسة في المهرجانات الدولية إنتاج خاص”.
في حواره مع “العربي الجديد”، قال التميمي إنّه رغم كون تاريخ السينما العراقية قديما، ورغم مرور أكثر من قرن على عرض أول فيلم، “لم يشفع هذا كلّه بتكوين محصلة تتناسب وهذا التاريخ، الذي يُفترض به أن يزخر بعددٍ كبير من الأفلام، في المجالات المختلفة”. أضاف: “أعتقد أن سبب ذلك كامنٌ في عدم الاهتمام الكبير لوزارة الثقافة، أو لمن يمثلها، وعلى امتداد عقودٍ طويلة، بدور السينما والإنتاج السينمائي، ما جعل أغلب الأفلام الجيدة من إنتاج القطاع الخاص”. لكنه رأى أن هذا القطاع نفسه “محدودٌ أيضًا، إذْ لا يوجد كثيرون في العراق يدعمون الإنتاج السينمائي”.
يقترح أيمن التميمي أن يكون لوزارة الثقافة العراقية قسم إنتاج خاص بالسينما العراقية، و”أن يبتعد عن الدوائر وعمن يحكمها، وأن تتكفّل الوزارة بفتح دورات وتنظيم بعثات، لتغيير أنماط التفكير، ولاستخدام الأنماط هذه، بشكل جيد، في صناعة الأفلام، لأن الشاب السينمائيّ، إنْ يكن مخرجًا أو مُصوِّرًا أو عاملاً في المجالات الفنية كلّها، نشأ على سينما قتل وعنف، فواقع السينما العراقية، اليوم، مليء بالدم نتيجة واقع البلد، وهي بعيدة كلّ البعد عن الدراما والكوميديا والمسائل الاجتماعية”.
أضاف التميمي: “لهذا، فإنّ أكثر المهرجانات التي تدعو إلى الحب والسلام تُبعد هذه الفئة من الأفلام، فيُصبح المنتج السينمائي العراقي في آخر الصفّ، أو يبقى أصلاً خارج المنافسة”.
إلى ذلك، تمنّى التميمي أنّ تكون في العراق “سينما واعدة، تصف العراق بجماله، وبما فيه من إيجابياتٍ داخل المجتمع”. ورأى أنه في حال أُنتجت أفلامٌ رصينة، “ذات محتوى هادف”، يُمكن هذا “أنّ يشجع الكثير من الهواة والمهتمّين لبذل المزيد من الجهود، من أجل النهوض بمستوى أعلى للسينما العراقية”.

 من جهته، قال فارس طعمه التميمي، مدير السينما بوزارة الثقافة العراقية، إنّ هناك مهرجانات كثيرة في العراق، من البصرة إلى دهوك، تُنظّمها مؤسّسات المجتمع المدني، التي تنظّم، في الوقت نفسه، مهرجانات عربية، تشارك فيها دول من أنحاء العالم، وهي اكتسبت خبرة واسعة في هذا المجال، وباتت مؤثّرة: “بالتوازي مع إقامة المهرجانات، هناك صناع أفلام عراقيون حقيقيون، نالوا جوائز دولية كثيرة”، كـ”الدبّ الذهبي” في مهرجان برلين، التي نالها المخرج العراقي سلام سلمان، عن فيلمٍ له تناول فترة حكم داعش؛ وملاك عبد علي، الحاصل على جائزة في مهرجان دبي، ولؤي فاضل الذي فاز بجائزة في مهرجان برلين أيضًا، وغيرهم.

وأشار فارس طعمه التميمي إلى أن “السينما تحتاج إلى أموال كبيرة، لكن العراق يمر بمرحلة تقشف قاسية. بالتالي، فإن مهمة المخرج العراقي صعبة جدًا في هذه الفترة، لا سيما أن المرحلة التي تُطرح فيها مواضيع الحرب على تنظيم “داعش”، تحتاج إلى أموال كبيرة ودعم دولي. مع هذا، أعتقد أن المستقبل السينمائي العراقي سيكون أبهى وأنضج، وأقدر على الفوز بجوائز دولية”.

مقالات ذات صله