السوق الالكترونية للسيارات.. مخاوف ومحاذير من البائع المجهول

بغداد_ متابعة

في الصيف الماضي تبخرت فرحة أبو أكرم وذابت كما يذوب الثلج سريعا تحت أشعة الشمس الحارقة، وبدلا من ان يفكر بقبض 90 ورقة من فئة المئة دولار أميركي ثمنا لسيارته من الرجل الغريب الذي اتفق معه عبر الانترنت بات يشعر بالخوف والقلق وازداد تعرقه وتلاحقت دقات قلبه بسرعة، وأخذ يفكر بإيقاف عملية البيع، والانسحاب من المكان سريعا حفاظا على حياته، بعد ان ظن ان المشتري وصديقيه يدبرون له كمينا للإيقاع به

ويقول أبو أكرم: “منذ اللحظة الاولى ساورتني الشكوك فقد طلب مني المشتري خلال اتصال هاتفي جلب سيارتي الى احدى الساحات القريبة من منزلي في منطقة المشتل كي يرى السيارة، وحدد وقت الظهيرة موعدا لذلك، وحين وصلت الى هناك انا وابني الشاب وجدت المشتري  قد جاء ومعه اثنان من اصدقائه بسيارة قديمة الطراز يملكها احدهما. وبعد ان فحصوا السيارة وافقوا على شرائها بشرط تخفيض 200 دولار من سعرها.”

ويضيف أبو أكرم مستذكرا لحظات القلق والتوتر التي عاشها”كنت اتصور اننا سنتوجه بعد الاتفاق الى أحد مكاتب تنظيم عقود السيارات كي نحسم الامر، لكن المشتري طلب مني الذهاب معه الى منزله في شارع فلسطين، كي يرى والده المقعد السيارة قبل شرائها ومن ثم نتوجه الى مكتب من مكاتب تنظيم العقود، وهذا ما اثار شكوكي، فقررت التراجع عن عملية البيع بأكملها”. تجد اكبر تشكيلة من السيارات المعروضة للبيع بالصور على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) وبانواع مختلفة تناسب جميع الاذواق والمتطلبات ولكن اين الضمانات القانونية لهذه المعارض. بهذا السؤال استهل علاء عبد الأمير (صاحب معرض للسيارات) حديثه مشيرا الى ان ” انتشار هذه الصفحات الخاصة بعمليات بيع وشراء السيارات لم تؤثر في مستوى عملنا، لان اغلبها قد يكون منفذاً لعمليات النصب والاحتيال خاصة من ناحية التبعات القانونية، وانتهاء بمصداقية متانة السيارة المعروضة”.

ويروي أبو أكرم القصة من بدايتها موضحا “بعد ان باع احد اصدقائي سيارته بكل سهولة عن طريق المواقع الالكترونية، فكرت بهذه الطريقة التي لا تتطلب سوى عمليات بسيطة، فكل ما علي فعله هو ان انشر عددا من الصور للسيارة واحدد السعر المطلوب مع رقم هاتفي كي يتصل بي من يرغب بشرائها”.

ويضيف أبو أكرم:”اعجبتني الفكرة لسهولة تطبيقها، فانا لا املك الوقت ولا المزاج للذهاب يوميا او كل اسبوع الى ساحات ومعارض السيارات، ولهذا نشر ابني صورا للسيارة بعد ترتيبها واشترطنا السعر المطلوب ووضعنا رقم الهاتف، وفي اليوم التالي تلقينا اول اتصال من مشتر متحمس جدا لكنه اصر على دفع سعر منخفض فلم نتفق معه”.

ومن جانبه يؤكد عبد الأمير ان ” دور صاحب المعرض هو عرض سيارات الراغبين في البيع او التبديل بفرق مالي (مراوس) مقابل 100 دولار اجور الدلالية وتحمل جميع التبعات القانونية الخاصة بهذه السيارة، ففي حالة اذا كانت هذه السيارة المباعة مسروقة نتحمل جميع المسؤولية لان عقد البيع والشراء يحمل اسم المعرض وختم وتوقيع صاحب المعرض كما يحصل المشتري على ضمان التأمين فيما يخص متانة السيارة فاذا ظهر عطل عكس ماكان معروضاً في عملية البيع يمكن ارجاع السيارة والمبلغ المالي دون اية معوقات، واما اذا كانت هذه التبعات القانونية والمتانة غير متوفرة في السيارة التي تم اقتناؤها من هذه الصفحات فلايمكن ضمان الحقوق فالضمير هو الحاكم لمثل هكذا معارض ابتداء من الامور القانونية وانتهاء بمصداقية متانة السيارة”.

ويكمل أبو أكرم حلقات هذا المسلسل الدرامي الذي وجد نفسه عالقا به، فيقول:” اتصل بي عدة مشترين وتفاوض معي اكثرهم على تخفيض السعر بشكل كبير، فلم اوافق، وكان اكثرهم يتصورون ان الحاجة تدفعني لبيع السيارة، ولهذا حاول الكثير منهم الضغط على هذه النقطة التي ليس لها وجود”.

ويبتسم أبو أكرم بمرارة وهو يتذكر ظهور المشتري الغريب فيقول:” اتصل بي هذا الرجل وأكد لي انه راغب جدا بالشراء، وطلب مني رؤية السيارة قبل التفاوض بشأن سعرها، فوجدت كلامه منطقيا، ووافقت على ما طلب، فقال لي: انه سيعود غدا عند الواحدة ظهرا من منطقة العبيدي متوجها الى منزله في شارع فلسطين، وسيمر من منطقة المشتل، وعلي تحديد مكان لنلتقي به كي يرى السيارة ويقيمها، وطلبت منه ان يكون اللقاء عصرا فقال: ان لديه اشغالا كثيرة، وهذا هو الوقت الوحيد الفائض لديه لانجاز هذه العملية، فاتفقنا على ساحة معروفة، وانتهى الاتصال”.

ويقول احد اصحاب المعارض( رافضا الاشارة الى اسمه):” هذه الصفحات لاتوجد بها اية وسيلة امان وتعتمد بالدرجة الاولى على  الحظ فبعض السيارات عندما يتم بيعها تحتاج الى اكثر من اربعة ايام لاتمام المراجعات القانونية بالتالي ستطول مدة التحويل ليجدها البائع حجة للابتزاز واخذ مبالغ اضافية الى ان يتم التحويل باسم الحائز، وقد يكون بعض هذه السيارات بالاساس محجوزة مسبقا نتيجة المخالفات المرورية، ففي المحافظات الجنوبية يتم حجز السيارة عند مخالفة الاشارة المرورية بينما في بغداد يتم تسجيل مخالفة بمبلغ مالي وكل هذه الامور ستقع على عاتق المشتري وهنا يقع في مصيدة الاستغفال بتراكم المبالغ المالية للمخالفات ومضاعفتها ومحط للابتزازعندما يرفض صاحب المركبة  التحويل”.

علامات الشك ويقول أبو أكرم:” لقد راودتني الشكوك منذ أصر المشتري على ان يكون موعد اللقاء عند الظهيرة، وقد خمنت في حينها انه يريد ان يتم التفاوض من دون ان يلحظه الكثير من الناس، ففي هذا الوقت من الصيف يكون أغلب الشوارع والساحات خالية من المارة، وملاحظتي الثانية انه اصطحب معه اثنين من أصدقائه، ولم أشعر بالراحة لوجودهم فقد كان سلوكهما وحركاتهما لا توحي بالاطمئنان”.

ويضيف أبو أكرم:”أما الذي أثار شكوكي أكثر فهي لوحات السيارة التي وصل بها المشتري إلى المكان. كانت السيارة لأحد أصدقائه الذي جاء معه، وكانت لوحات أرقامها تبدو غير أصلية، وكأنها رسمت باليد، ولقد عرفت هذا بحكم رؤيتي للكثير من لوحات الأرقام يوميا في الشوارع العامة، وحين اشترط المشتري ان يرى والده المقعد السيارة قبل شرائها، اكتملت الشكوك وقررت التراجع عن عملية البيع فقد خمنت ان هناك أمرا خطيرا وراء هذه العملية”.

ويؤكد عبد الأمير صاحب معرض السيارات”برزت في الاونة الاخيرة بعض الاجراءات الجديدة المعقدة في حالة الشراء باحضار صورة قيد للسيارة من ملعب الشعب والتي تحتاج الى ايام وهنا نحن نتكفل بجميع الرسوم بينما يجد اصحاب هذه الصفحات بأن اعادة هذه السيارة او العدول عن شرائها سبب غير شرعي ولا يتحمله البائع باي شكل من الاشكال ليقع المواطن في حيرة من امره ولا يتنفس الصعداء حتى تتم عملية الشراء دون اية عراقيل،  واما في المعارض المرخصة والمعروفة فكل هذه الاجراءات يتحملها صاحب المعرض الى ان يتم تحويل السيارات بمختلف الضمانات وهذا ما تفتقر له هذه الصفحات البعيدة عن اية دراية قانونية”.

أخيرا، يختتم أبو أكرم حديثه بالقول: ” لقد باع أحد أصدقائي سيارته بهذه الطريقة بكل يسر وسهولة، فبعد الإعلان عن بيعها زاره مشتر صادق ومتحمس وتم الاتفاق على كل شيء، ولكن هذا لا يعني ان جميع حالات البيع ستكون ناجحة وسريعة، لاسيما ان أغلب المتعاملين مع السوق الألكترونية للسيارات مجهولو الهوية لا يعرف أحدهم الآخر سابقا، ولا توجد في السوق الكثير من الضمانات، وقد يقع الإنسان البسيط ضحية للغش والتزوير ما لم يتعامل مع الموضوع بمزيد من الدقة والحرص لمواجهة حالات الخداع المحتملة”.

مقالات ذات صله