الحساب مغلق حتى اشعار اخر … “الخاص” يؤرق راحة النساء في الفيس بوك

بغداد_ متابعة

فجأة اغلقت ( م. اكرم)، وهو اسم اخترناه بديلا لاسم كاتبة عراقية، صفحتها على “ الفيس بوك”، ووضعت بدلا من صورة الصفحة مربعا اسود كتب عليه: “الحساب مغلق حتى اشعار اخر”، ولم تجب اكرم على عشرات الاستفسارات التي كتبها اصدقاؤها في تعليقاتهم عن سبب فعلها المفاجئ هذا. وتقول احدى صديقاتها المقربات التي روت لنا ذلك، ان اكرم اغلقت صفحتها وغادرت عالم “الفيس بوك” بعد ان ضايقها احدهم اكثر من مرة على “ ماسنجر الفيس بوك” او ما يسمى بالـ( خاص).   وفي أواخر تموز من العام الماضي تخطى عدد مستخدمي خدمة “ماسنجر” للمراسلة الفورية في “فيس بوك” حاجز المليار مستخدم في الشهر، حسبما أعلنت الشبكة الاجتماعية الأكثر انتشارا في العالم وتناقلت ذلك الكثير من وسائل الإعلام. و”ماسنجر” هو التطبيق الثاني لـ”فيس بوك” الذي يتجاوز هذا الرقم بعد تطبيق “واتساب” الذي اشترته الشركة في 2014 بمبلغ 20 مليار دولار. وكان نائب رئيس “فيس بوك” المكلف بنشاطات تبادل الرسائل ديفيد ماركوس قد تحدث عن هذا الرقم، موضحا: “ركزنا على خلق أحسن التجارب الممكنة في التواصل اليومي بين مستخدمي التطبيق، واشار إلى أن الشركة ستواصل جهودها لإضافة مزيد من الوظائف الجديدة وتتطلع للوصول إلى المليار القادم”. ويأتي إعلان تجاوز “ماسنجر” عتبة المليار مستخدم بعد أن أدخلت عليه حزمة من الوظائف الجديدة، منها الاتصال الجماعي بدل الاقتصار على مكالمة بين شخصين فقط، إضافة إلى الخدمات الأخرى التي بات يتيحها بالتعاون مع خدمات خارجية.
وتقول صديقة اكرم انها اجرت حوارا مع صديقتها على “ الفايبر” لمعرفة سبب اغلاقها للصفحة: “لقد تبين ان صديقتي اكرم تعرضت لتطفل قام به احد ما يطلق عليهم ( الزواحف)”.
وتقول الصديقة وعلى وجهها علامات الاستنكار والتعجب: ” كتب المتطفل لصديقتي على الخاص من دون سابق علاقة بينهما ولم ترد عليه، فردته بادب الا يقتحم حياتها الخاصة، لكنه عاد ليكتب لها مرة ثانية وثالثة وتمسكت من جانبها بعدم الرد، فثارت ثائرة المتطفل، وأخذ يكتب لها عبارات نابية يستحي حتى ابن الشارع من التلفظ بها، وهذا ما دفع صديقتي لحظره كي لا تراه ولا يراها”.
وتؤكد استاذة علم النفس الدكتورة شيماء عبد العزيز: ” على الرغم من كل التطورات والتغيرات التي حدثت في مجتمعنا من حيث طبيعة العلاقة فيما بين الرجل والمراة وتشاركهما مقاعد الدراسة والعمل، والتواجد المشترك في مختلف مناحي الحياة، غير أن نظرة الرجل إلى المرأة، ونظرة المرأة إلى الرجل، لاتزال في بعض مفرداتها هي ذاتها، تلك النظرة التقليدية البائدة، ولعل الاسباب التي تدفع الرجال إلى الدخول على الخاص، والتنغيص على النساء خصوصياتهن والتجاوز على حياتهن الخاصة، وفي بعض التجاوز من حديث، إلى فرض المحادثة أو التحدث بالجنس واقامة علاقة أو ارسال محتويات ذات محتويات خادشه للحياء والقائمة تطول ومن بين اهم هذه الاسباب وجود حالة من حالات الحرمان والكبت، عند كلا الجنسين، والرجال على وجه الخصوص”.

وعلى عكس برامج المحادثات الالكترونية الاخرى التي تحدد الاتصال بالأصدقاء فقط، فان ( خاص الفيس بوك) يتيح لمستخدمه الاتصال باي شخص كان حتى لو لم تكن له سابق علاقة بالمتصل، وهذا ما يفسح المجال للعابثين والخبثاء التطفل على المستخدمين الاخرين في اي وقت.
وغالبا ما تشكو النساء من الرجال الذين يتطفلون على حياتهن الخاصة عبر هذه الوسيلة بمختلف الحجج والاعذار، وكلها تهدف الى الدردشة معهن وجرجرتهن بالتدريج الى علاقات تحوم حولها الشبهات وتختفي خلفها غايات مبيتة يشم منها رائحة السوء، ونتيجة كثرة الحديث عن هذا السلوك باتت النساء تخشى من يدخل اليهن للمحادثة عبر “ الخاص” من دون معرفة او مقدمات، حتى لو كان الداخل يحمل نيات سليمة ونبيلة.
وتكمل صديقة ( م. اكرم) القصة فتقول: “لم يرتدع ذلك المتطفل بعد حظره، فقام بانشاء صفحة جديدة ليهاجم صديقتي ببذيء الكلام على العام والخاص، ولم تجد صديقتي حلا غير حظره من جديد، فاقسم انه سيطاردها مدى الحياة، فعاد اليها من جديد تحت اسم ثالث بصفحة جديدة ليعاود هجومه عليها، وامام هذه الاصرار على الحرب، رأت صديقتي ان الحل الافضل هو ترك الصفحة ومغادرة “ الفيس بوك” لعل ذلك المتطفل ينساها أو يثوب الى رشده”.
وتقول استاذة علم الاجتماع الدكتورة اشواق عبد الحسن عبد:
” يؤمن بعض علماء الاجتماع أن سبب مشاكل مجتمعاتنا بصورة عامة نابع من ثبات الجوانب القيمية والاخلاقية، والتغير السريع في الجوانب التقنية والتكنولوجية، فما زالت لدينا بعض القيم الموروثة التي تحظى بثبات نسبي، فيما نجد أن التكنولوجيا صارت تتغير بسرعة كبيرة جداً، وهذا التناشز فيما بين هذين الجانبين يؤدي إلى ظهور مشكلات عدة على مختلف المستويات، فالمشكلة الحقيقية هي عندما تكون المعرفة أو التعارف في العالم الحقيقي وتنتقل إلى العالم الافتراضي، اذ يجد بعضهم انه صاحب حق أن يتواصل مع هذه المرأة لمجرد انها زميلته أو كان هناك تعامل أو معاملة اجتماعية في مكان ما فرضته طبيعة الحياة الاجتماعية في الوقت الحاضر”.
وتضيف عبد الحسن “ من بين الامور التي تدفع بعض الذكور لفرض وجودهم على الخاص بالنسبة للنساء هو الكم الهائل من الروايات والاخبار والاحاديث عن الخيانة وعن قدرة فلان الذي استطاع اخضاع فلانة، وعن فلان الذي لديه القدرة على تكوين علاقة مع اكثر من واحدة في آن واحد، ومن المثير أن بعض النساء يسهمن في تشويه سمعة بعض النساء، وان كل النساء ترغب بذلك الذكر الذي يفرض حضوره على خصوصية المراة و أن كان بشكل سمج وممجوج”.

وتختتم صديقة الكاتبة “م. اكرم” حديثها موضحة بحزن واضح: ” تمتاز صديقتي بالشفافية وطيبة النفس وبالأدب الجم والأخلاق الحميدة، ولا تسمح لها تربيتها وثقافتها مع انسان يتخذ من مجهولية شخصيته غطاء للوقاحة والعدوان متخفيا كأي جبان وراء اسم مستعار ضاغطا على أزرار “الكيبورد” ليطلق قذائف عباراته النابية”.
وتضيف الصديقة بيأس ومرارة: “ للأسف، لا توجد جهة رسمية أو مدنية يستطيع المجنى عليهم اللجوء إليها لتعقب مثل هؤلاء الجناة للاقتصاص منهم، وحتى ترى مثل هذه الجهة النورعلى النساء تحمل انتهاكات هؤلاء المتطفلين وقتالهم بكل قوة وشراسة وبالسبل المتاحة وأولها الحظر”. وتقول عبد العزيز بصوت مليء بالاسف: “ بعض النساء حتى عندما تضع شعار “الخاص ممنوع” فان بعضهم يقرأ القضية على العكس من ذلك وكأنه يترجم هذه العبارة بالشكل التالي: تفضل وادخل على الخاص، وليكن دخولك بقوة افرض حضورك ووجودك ، وان حاولت أن تعبر عن عدم رغبتها بدخول الخاص، فانها قد تفسر على انها نوع من الممانعة المقصودة، التي يراد بها الاستمرار ومزيد من الاثارة، وهذا الامر يجعل المرأة في حالة معاناة مستمرة في الكيفية التي يمكن أن تتعامل بها مع هكذا انموذج لا يريد أن يفهم غير ما هو راسخ في خياله المريض أو الموهوم، وهناك من تجد في دخول الخاص مصدر ازعاج مستمر وكابوس دائم على مدار النهار والليل، وهذا دليل على وجود مشكلة قيمية واخلاقية اضافة إلى ضعف المنظومة الضبطية سواء اكانت قانونية أو عرفية أو حتى دينية”. اكملت الفكرة الدكتورة اشواق عبد الحسن عبد بالقول: “ مازلنا حتى الان نفتقر إلى قانون يحفظ حق الخصوصية، ونحن لا نمتلك غير وسيلة الحظر، وهي وسيلة يمكن تجاوزها بسهولة عبر تكوين صفحة ثانية ليستمر مسلسل استهداف الخصوصية واستباحتها، من جانب اخر نحن كمجتمع مازلنا نرى المرأة مذنبة حتى تثبت هي براءتها، والرجل مهما ارتكب من جرائم لا عيب ولا تثريب عليه.
المراة في مجتمعنا هي المسؤولة عن الشرف والعرض وصيانة هذا الشرف من اي مساس أو اساءة في حين أن الرجل يترك له الحبل على الغارب لكي يكون علاقات وصداقات وينتهك حريات الاخرين وخصوصياتهم، طبعاً يمكن اضافة ضعف المنظومة الضبط الاجتماعي أو الادانة الاجتماعية لمثل هذا النوع من الانتهاك للخصوصية ولحرية الاخرين في التواجد على صفحات التواصل الاجتماعي من غير التنغيص عليهم أو الاساءة لهم”.

 

مقالات ذات صله