الجورنال ترافق “نورس” في أحلامه قبل أن يقتله “داعش “

الجورنال – خاص

كانت جل أحلامه أن يرى وجه ابنته وهي تطلق صرخاتها الاولى في عالمه الذي رسمه بشغف رغم حالة الفقر التي عاشها وعائلته سنوات عمره التي لم تتعد ربع قرن، عمل فيها بما يكفي لسد رمقه اليومي، فـ(نورس خليل ابراهيم) كان يعشق الحياة ويرسم يوميا صورة ليوم آخر سيعيشه بعيدا عن الحاجة التي أثقلت عوده، كان يحلم بالكثير وكل من يعرفه يدرك مدى شجاعة هذا الشاب النحيل ومدى إقدامه على اتخاذ القرار المناسب الذي سيرقى باسمه الى مشارف قد لا يدركها هو نفسه.

عمل (نورس) في أماكن عدة وكان أقرب الناس اليه خاله الذي تولى تربيته منذ صغره وصار مع الوقت اقرب اصدقائه وموضع أسراره، فجأة تطوع هذا الشاب النحيل البنية الى صفوف المقاتلين عندما تسلل تنظيم “داعش” الارهابي باتجاه ارض العراق، قرر الوقوف بوجه هذا التنظيم الذي عد العدة والسلاح ليقتحم كل احلام الشباب أمثال نورس، وفي لمحة من الزمن ارتدى هذا الشاب ملابسه التي لم تكن بمقياس جسده النحيل لكنه ملأها  بكبرياء قل مثيله، واتجه نحو خاله  الذي يحب مزاحه ليعرف رأيه بقيافته الجديدة قبل ان يتجه الى ساحة المعركة التي سيكون فيها الاول كما دائما كان يقول.

وكان تنظيم داعش قد سيطر على مناطق عدة في العراق قبل حوالي العام ونصف العام وانتشرت خلاياه في مناطق كثيرة من البلاد الامر الذي دعا المرجعية الدينية الى اصدار فتوى للجهاد الكفائي لمحاربة هذا التنظيم المتشدد.

لم يفكر نورس سوى بطفلته التي لم تر النور بعد وقال في نفسه “سأضرب عصفورين بحجر واحد، سيكون لي راتب ثابت وستكون تكاليف ولادة زوجتي مؤمنة اضافة الى انني سأكون من اوائل الذين اعلنو تطوعهم لمحاربة هذا التنظيم الارهابي الذي سيهدد أمن طفلتي القادمة واهلي”.

هكذا كان نورس يفكر وهو يجمع حاجياته الخاصة ويودع زوجته ووالدته ويمنح زوجته آخر صورة له وهو يرتدي ملابس التطوع العسكرية ويودع خاله الذي رمقه بنظرة اخيرة قائلا “أعتقد ان صورتك ستكون على لافتة اعلان وفاتك” ضحك الجميع مع عبارة الخال الصديق وودع نورس الجميع قائلا “سأعود ياخالي”.

مرت ايام واسابيع ونورس لاينقطع عن الاتصال وسرد حكاية البطولة التي يسطرها واخوته المقاتلون في جبهات القتال بعضها لم تكن تقنع اهل نورس وخصوصا خاله الذي يمازحه دوما ويقول له “كفاك كذبا يانورس”.

فجأة انقطعت الاتصالات وهاتف نورس صار خارج الخدمة اقتربت ولادة زوجته وهي بانتظار مولودتها “مريم” التي اتفق الجميع على اطلاق هذه التسمية عليها، لكن نورس لم يؤمن بعد مصاريف المشفى ولم يتصل بأهله، احتار الجميع بالامر وفجاة توقفت سيارات امام الشارع المؤدي الى بيت نورس كانت تحمل نعشاً مغطى بالعلم العراقي والجميع يطلق النار تحية لمن كان في هذا النعش. اول من تلقى النبأ خاله وهو مازال يتلقى الانباء عن نورس على انها مزحة وكذبة ولكن الخبر الان صار واقعا امام الجميع فقدما نورس قد اكلتهما القنابل وهو يتقدم نحو هدف كان اول المتقدمين اليه رغم صيحات مسؤوله الذي امره بالتوقف لان الارض ممتلئة بالقنابل والعبوات الناسفة، نورس لم يبال بالصيحات تقدم وانفجرت كل قنابل “داعش” في تلك المنطقة على جسد نورس النحيل فأكلت اقدامه وزرعت شظاياها في كل انحاء ذلك الجسد.

من كان يرافق نورس في رحلته القتالية يقول ويؤكد انه كان اول المندفعين للقتال وكان كل ليلة يقول لاصحابه غدا سندخل المكان الجديد ونقتل “الدواعش”، ويقول مسؤوله العسكري الذي عرفه عن قرب انه لم يصدق عندما اعتلى نورس في احد الايام سيارة “السلفادور” ليمسك بـ”البكتة” ليرمي من هو أمامه من عناصر التنظيم الارهابي دون خوف أو وجل رغم انه ذو جسد نحيل جدا.

في مجلس عزاء نورس كانت زوجته وجميع أهله بانتظار ان تعين الطبيبة يوم ولادة “مريم” وفجاة جاءت اغراض نورس التي بقيت منه وكانت من بين اغراضه محفظته الشخصية التي كان يحاول ان يجمع بها بعض النقود لتحل له مشكلة المستشفى، كانت الثقوب في اغراضه والمحفظة جزء من الاغراض المثقوبة وجدوا فيها 150 الف دينار عراقي لانه لم يتسلم غيرها وراتبه لثلاثة اشهر ايضا لم تره عين نورس بعد، اغلق ابوه المحفظة وهطلت الدموع في وداع نورس الذي غاب عن الدنيا واحلامه معلقة في محفظة مثقوبة وطفلة لم تر النور.

مقالات ذات صله