التقليد أبرز أسبابها.. ظواهر اجتماعيـة مستوحاة من الإعلانات والمسلسلات

بغداد_ متابعة

باتت اليوم القنوات الفضائية المنوعة تقتحم البيوت العراقية بإرادة أصحابها وتزيد من شغفهم بالأفلام الأجنبية والمسلسلات المدبلجة والاعلانات التي رسخت لدى مشاهديها بعض حالات التقليد من خلال تصرفات ومشاعر قد تكون غريبة على مجتمعنا وتؤثر سلبا فيه.

ربما يبدو الامر كنكتة، لكن عبد فرج سيد صاحب محل لبيع الفواكه والخضر في منطقة حي اور، روى لنا هذه الحكاية عن ابنه المغرم بمشاهدة المسلسلات التركية اذ يقول: اعتاد ابني (حميد) عمره  عشرون عاما ان يتابع كل يوم احد المسلسلات التركية بعد ان ينزوي في الغرفة ويظل ساكتا لساعة كاملة من دون يرف له رمش، ظننا انا ووالدته في بداية الامر انه ربما يعيش أيام المراهقة وتستهويه الممثلات الجميلات، لكن والدته اخبرتني ان حميد لم يعد يأكل السمك ما لم يشرب معه قليلا المشروبات الكحولية التي اصبح يسربها الى البيت خلسة !! عندما نهرته ووبخته عن هذا الفعل قال ( قابل انتم احسن من الاتراك)، وعلمت من اخوته فيما بعد ان مايقوم به حميد هو تقليد لما يشاهده في المسلسل التركي وليست هذه التقليعة فقط،  وانما أخذ يشعل السيكارة ويأخذ منها نفسا ثم يرمي بها على الارض، علما انه لايدخن ويستهلك اكثر من علبتين في اليوم الواحد لاشيء سوى ما يردده اصدقاؤه على مسامعه بانه يشبه الممثل الفلاني في كل شيء حتى (طريقة التدخين)! .

وشخص آخر دلنا عليه احد المعارف  يطلق عليه اصحابه لقب ( خالد طلايب)، بسبب المشاكل التي يزج نفسه فيها، آخرها عندما دس أنفه بين فتاة وشقيقها الذي كان يوبخها في الشارع بسبب تغيبها عن المدرسة، وبسبب دفاعه عن الفتاة التي تفاجأه به، ظن اخوها ان ( طلايب) ربما يكون صديقها الذي تتغيب من أجله عن المدرسة وتطور، الأمر الى عراك وفصل عشائري انتهى بتغريم خالد طلايب مبلغ ثلاثة ملايين دينار لتدخله بين الفتاة واخيها، ولم يكتف بهذه المشكلة، بل اعقبها بالتحرش ومضايقة  احدى الفتيات بعد ان ظن انها معجبة به لوجود شبه بينه وبين شخصية (كوسوفي) في المسلسل التركي وتعرض الى الحبس في مركز الشرطة بعد ان اشتكى عليه اهل الفتاة ولم يخرج الا بكفالة وتوسل الوسطاء والمعارف، طلايب يستغل شبهه بشخصية (كوسوفي) ويرتدي نفس الملابس ويتحدث ببعض الكلمات التركية التي تعلمها من هنا وهناك،  عندما وجدنا خالد في مكانه المعتاد في المقهى وسط السوق كان يدخن النركيلة ويرتدي قلادة واساور في معصميه ويضع نظارة شمسية على عينيه رغم ان الجو كان غائما،  سألناه عما يجلب انتباهه في المسلسلات والأفلام فقال: المسلسلات التركية تعجبني لروعة العلاقات الغرامية فيها ولبس الفتيات واناقتهن المفرطة  وجمالهن الأخاذ، لذلك لم تعد لدي رغبة باي امرأة مالم تكن في مستوى الجمال التركي، امنيتي ارى جميع البنات في منطقتي بمستوى الاناقة والجمال التركي.

اما في الكليات والمعاهد المختلفة  تضاربت اراء الطلبة بين مؤيد ورافض لقضية تأثير المسلسلات المدبلجة على العادات والتقاليد الاجتماعية، الطالب جميل حمدان بين ان موجة التقليد اصبحت شائعة جدا وسط الشباب، خصوصا الازياء والاكسسوارات التي يتهافتون على شرائها بشكل يومي، كما يقوم البعض من الطلاب بالتصنع في حركاتهم وأحاديثهم وانتماءاتهم اذ يقول: لنا اصدقاء اصبحوا يتحدثون عن شراء الاكسسوارات كما تتحدث الفتيات، وهم يراقبون احدث الموديلات التي تظهر في السوق ويشترونها، الحديث عن احداث المسلسلات المدبلجة هو السائد اثناء فرص الاستراحة ما بين المحاضرات، وفي احدىت المرات حصلت مشاجرة انتهت للاشتباك بالايدي وقناني المشروبات الغازية بسبب وصف احدى الطالبات لشخصية (اسمر) بالشخصية الانانية والحقيرة، مما حد من تبادل الشتائم بينها وبين زميلتها  واستدعى الامر تدخل اهل الغيرة من الواقفين الذي انقسموا الى فريقين واشعلوا فتيل المعركة التي لم تتوقف الا بتدخل العميد.

فيما يؤكد الدكتور احمد صاحب استاذ الاعلام  في الجامعة المستنصرية أن الدعاية والاعلان لها الدور الكبير والمؤثر في المجتمع،  وهي  تسهم الى حد ما بالترويج  لمنتجات اقتصادية وأخرى فكرية، القصد منها جلب انتباه المستهلك او المتلقي لغرض تقبل تلك البضاعة او الفكرة، وهناك الكثير من الاعلانات التي يستخف بها البعض او لايلتفت اليها لانها لاتخصه او تثير اهتمامه، لكنها تؤثر في غيره وربما تجد بعد فترة من الزمن ان تلك الدعاية اصبحت واقع حال او ظاهرة مقبولة في الشارع، ولذلك فان ثقافة الأفراد في العائلة الواحدة لها دور كبير في تجنب التقليد السيئ او غير المقبول اجتماعيا، اليوم اصبح لدينا بعض الشباب في الجامعات يلبسون الاكسسوارات وقسما اخر يضع الاقراط في اذنيه او شفتيه، وهذه الاكسسوارت كانت ومازالت تأتي من الخارج ولايوجد من يصنعها في الوقت الحاضر، ولكن بعد فترة ربما نجد ان معامل تنشأ لغرض صناعتها بسبب زيادة الطلب عليها.

كما أوضح الشيخ رحيم حسين أمام جامع الرحمة في مدينة الحرية: ان القيم الفكرية الاسلامية تعاني من عملية تجريدها من جمالها وثقافتها عن طريق سيادة العديد من الثقافات المختلفة داخل البلد ومن دون ان يكون هناك دفاع او رد لايقاف او دحض الافكار والتقاليد الطارئة على المجتمع، لاتوجد لدينا سوى المؤسسات الدينية المتمثلة بالمساجد والحسينيات التي تقوم  بعمليات التوعية والارشاد والتثقيف، وهذه وحدها لاتكفي، فليس الجميع يواظبون على الصلاة في  المساجد، لكن يمكن ان تستغل نفس الوسائل التي تأتينا تلك الثقافات عن طريقها  كالتلفاز والانترنيت، الثقافات الاجنبية دائما تجد لها سوقا في الدول العربية والاسلامية، لاسيما بين أوساط الشباب غير الملتزم، فهؤلاء يمكن ان يتأثروا بسهولة وسرعة ويمكن أن يصبحوا أصواتا للتشكيك اوالتضليل عن الأعراف والتقاليد العربية والاسلامية، الانفتاح على دول العالم والاطلاع على تجاربها شيء جيد، لكن ليس على حساب الثوابت والأفكار والمعتقدات، على المختصين والمعنيين في هذا، الامر ان يفكروا  ويبحثوا عن كيفية ترسيخ هذه  القيم الاجتماعية العراقية وجعلها مدعاة للتفاخر وليس الخجل، اذ ليس من المعقول ان نلغي اونعطل نظام الستلايت او الانتريت او نحجب برامج بحجة الحفاظ على العادات والتقاليد، فقد يكون لها تاثير سلبي عند طوائف اومعتقدات اوأديان أخرى، لماذ نحن من يتصنع بعادات وتقاليد الغرب، لم نر تقليدا عربيا او اسلاميا طغى على احد المجتمعات الاوروبية او الآسيوية، وسبب هذا كله هو ضعف قاعدة التنشئة للأجيال الحالية، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت هناك دور عرض السينما لكن الشباب في تلك السنوات لم يتأثر بما كان يشاهده، والسبب هو قوة التكاتف الاجتماعي في الاسرة الواحدة وصولا للعشيرة والدولة التي يمثلها المعلم والمدرس والاستاذ الجامعي وبقية المؤسسات التربوية والثقافية التي تشترك في تحمل هذه

المسؤولية.

في حين يتحدث الدكتور رحيم الشمري استاذ علم النفس في جامعة بغداد عن هذا الموضوع قائلا: مشكلة صراع الثقافات وترسيخ منظومة القيم الاجتماعية او اضعافها لها جذور قديمة، لكنها كانت مقتصرة على ماينقل عن المشاهدة او الحديث وهي ليست متاحة للجميع كما في عصرنا هذا، الاطفال والصبية والفتيات والنساء في السابق لم يكن بمقدورهم  رؤية شيء او سماعه الا بعد سنوات وربما لايرون اي شيء طوال حياتهم، الان الوضع مختلف، الصغار لديهم قنواتهم الفضائية الخاصة، النساء لهن قنواتهن، الرجال كذلك، هناك قنوات الاباحية يرتادها الشباب والرجال،  بالاضافة الى عرض الافكار المنحلة او المتشددة، بامكان الجميع ان يشاهد اي شيء يرغب فيه، بعض المسلسلات المدبلجة تعرض مشاهد واحداث من واقع ما موجد لدى تلك المجتمعات من اعراف وعادات، البرامج الثقافية، تأتي هي الأخرى باتجاهات ربما تكون محسوبة لغرض تغيير وجهة نظر الآخر، وامور أخرى كثيرة لايمكن السيطرة عليها، باقي المجتمعات في اوروبا وآسيا تنتهج وسائل التعليم والتثقيف لخلق جدار عازل ضد كل ماهو سلبي او يحاول ان يشوه ما كان سائدا و محبوبا، في دولة مثل اليابان  تجد ان المجتمع الياباني يصدر ولا يستورد القيم والعادات والتقاليد، طريقة اللبس والتعامل والبناء والتعايش والتنشئة وروح المواطنة العالي والحفاظ على الموروث، اليابانيون لم يمنعوا الستلايت او منظومة الانترنيت بل العكس، لكنهم استفادوا من  وعي شعبهم وطريقة التفكير التي تشرف عليها مؤسسات تربوية وتعليمية وثقافية منذ سنوات الدراسة الاولى لدى اطفال الروضة وصولا الى الجامعات، ولذلك اصبح الياباني يرى نفسه بغاية السمو ولاحاجة لديه لان يقلد الاخرين، البعض من الشباب العراقي يعاني من مشاكل عديدة، البطالة، الفقر، الحرمان، تفشي الامية، التباين الاجتماعي، وهذه المشاكل تراكمت بفعل الحروب الكثيرة التي خاضها البلد وادت الى اضعاف الروح المعنوية لشرائح واسعة من المجتمع وتغير في منظومة القيم الاخلاقية بفعل المستحدث والمقلد مما يرد من الخارج من ممارسات تكون سلبية في نتيجتها بسبب عدم تفاعل باقي المكونات الاجتماعية معها، لاتوجد لدينا مؤسسات نقد للظواهر والحالات التي يمر بها الشارع او المدرسة، كما لا توجد في الجامعات ايضا واقتصار أغلب المحاولات على جهود فردية، اذ لايوجد برنامج خاص بالتوعية والتثقيف، ولذلك تمكنت وسائل اعلام عديدة من اختراق  القيم والعادات الاجتماعية واستبدالها باخرى لايمكن ان تأتي بالاثر الايجابي، بل العكس، الثقافة الاوربية يطلق عليها  صناعها بانها ثقافة (الراق الاعلى) وثقافة الدول النامية (ثقافة الراق الادنى)، وهذه التسمية جاءت بسبب سيطرة تلك الدول على الصناعة والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد، ولذلك اجازت لنفسها ان تكون هي المؤثرة بثقافات بعض الدول التي تعاني من الفقر والحروب والانقسامات الداخلية.

مقالات ذات صله