التفاخر وحب الظهور… استعراض تعشقه النساء ويدفع ثمنه الرجال

بغداد_ متابعة

لا أحد يعرف محنة ام زينة سوى ابنتها الكبرى، وهي الأخرى تعيش معاناة خاصة بسبب سلوك والدتها، وترى ان امها مصابة بحالة نفسية ومن الصعب مواجهتها خوفا على مشاعرها، وخشية من تدهور حالتها الصحية بعد ان أصيبت بارتفاع ضغط الدم والسكري، وعلى الرغم من حالة أم زينة التي تبدو طبيعية لأول وهلة، لكن سعيها للتجديد والبحث الدائم عن كل ما هو غال وجديد ومثير بات يثير أكثر من مشكلة، لا سيما بعد ان تفاقمت الديون على العائلة، وكثر عدد الأقساط المالية التي تدفعها هنا وهناك.
وتقول زينة، واصفة سلوك والدتها:  تبحث أمي دائما عن كل ما هو جديد، ففيما يبقى طاقم مقاعد غرفة الضيوف لدى الكثير من الناس لسنوات طويلة، تحرص أمي على استبداله بطاقم أحدث مهما كلفها الأمر، ولا تكترث للأعباء المالية المترتبة على ذلك، وينطبق هذا الأمرعلى سائر موجودات المنزل الأخرى، وعلى الملابس والحلي الذهبية».
وفي ما يخص « التفاخر والتباهي» تشير الدكتورة سناء الخزرجي المتخصصة في علم النفس الى: «ان مجتمعنا مجتمع استهلاكي يقتني الأشياء وان كان ليس بحاجة ماسة لها لأسباب عديدة منها: التعويض النفسي، والمرأة في مجتمعنا تفتقر الى إشباع الحاجات المعنوية كالحاجة الى الحب او الاحترام فيكون التسوق بمثابة تعويض للحاجات التي تفتقدها ولا تجدها في حياتها الخاصة، واحيانا يكون الفراغ وعدم القيام بأعمال مفيدة مدعاة لهذا الاستهلاك، وقد تصل الحالة الى اضطراب يحدث لدى المرأة يسمى جنون التسوق لان الحالة تصبح قهرية لديها غير مسيطر عليها فلا تقاوم اي شيء تراه عند الغير او في الاسواق فتتراكم لديها الأغراض والمقتنيات ولا تعرف ما تفعل بها».

وتضيف زينة بحسرة: “الحقيقة اننا غالبا ما نخسر مرتين نتيجة هذا التصرف، إذ علينا التخلص من المقتنيات السابقة، ولا نجد أمامنا حلا غير بيعها بسعر رخيص قد لا يتجاوز نصف اثمانها، ثم علينا دفع أثمان السلع الجديدة، وغالبا ما يكون مرتفعا لانه من طراز حديث، والأغرب ان أمي لا تلتفت لنصائحنا ولا لتحذيراتنا، وتسعى لتهون الأمر في أغلب الأحيان، فكل ما يهمها هو التفاخر أمام صديقاتها، وتشعر بالسعادة وهي تسمع عبارات الثناء والمديح التي كثيرا ما لا تعبر عن الحقيقة وإنما تقال للمجاملة فقط”.
وتؤكد زينة بصوت مثقل بالحزن: ان “عدوى التفاخر والتباهي قد انتقلت الى اغلب المحيطين في المجتمع، فلو ان احدهم هدم داره ليبني دارا جديدة لوجدت نصف سكان الحي يهدمون بيوتهم ويبنون مساكن جديدة لارضاء رغباتهم وحبهم للمظاهر”.

التفاخر، والتباهي، وحب الظهور، والاستعراض، والتيه والاختيال، كلها تقود نحو معنى واحد برغم الفروقات الطفيفة بينها، فالممارس لهذا السلوك يحاول ان يظهر نفسه شخصا مميزا له الأفضلية على الآخرين كاشفا عن نزعة من التعالي والغرور ، ساعيا لفرض سيادته وسلطته وفق أسس غير حقيقية لا تمت لواقع الحال بأية صلة، بل من الشعور بالنقص وانعدام الشخصية، في الوقت الحاضر تدخل النساء في حالة حرب معلنة وغير معلنة على شراء الملابس والذهب، ومستحضرات التجميل، والعطور الفاخرة، الى ان تعدى ذلك الى السفر للخارج، وارسال الاولاد لكي يتعلموا في دول الجوار، وتغيير الاثاث وتبديل السيارة في كل موسم ان امكن.
وبحسب أكثر من دراسة منشورة على الانترنت فان التفاخر ما هو إلا محاولة للفت الانظار وجذب الانتباه من أجل الاحساس بقيمة الشخصية، وهو بالتالي نابع من فراغ في شخصية المتفاخر ومن انعدام الثقة، ويختلف موضوع الفخر بين شخص وآخر، فهناك من يفتخر بنسبه أو بمركزه أو بممتلكاته أو بصفة من صفاته، أو بأي شيء آخر.
والمتفاخر لن يكسب من تفاخره غير جفاء الناس وابتعادهم عنه، فضلا عما يكلفه سلوكه من جهد ومال وإضاعة للوقت، فضلا عن ان هذا السلوك يكشف مدى اهتمام صاحبه بالمظاهر ما يجعله أسير أوهام لا يؤمن بها غيره تسبب له الكثير من الارهاق والمتاعب.
وتستدرك زينة، وتلتمع عيناها بالدهشة وهي تستذكر سببا آخر للمشكلة، فتقول:”لأمي صديقة أخرى تشاركها في هذا السلوك تدعى أم رامي، ولا يبتعد بيتها عن بيتنا كثيرا، وعلى الرغم من ان الاثنتين تبدوان صديقتين، إلا انهما تعيشان حالة تنافس وحسد يختفي تحت عبارات الود والمجاملة المصطنعة، فالواحدة تغار من الأخرى، وغالبا ما تدعو أم رامي والدتي إذا ما اقتنت شيئا جديدا كي تراه، فتعود والدتي مكفهرة الوجه، وسيئة المزاج، ويراودها شعور بالهزيمة”.
وتوضح زينة أكثر:”المشكلة ان أم رامي تمتلك قدرة مالية كبيرة جدا، فزوجها يعمل مقاولا، ويمتلك سيارة من أحدث طراز، ولن يضرها تبذير الأموال هنا وهناك، ولا الركض وراء كل ما هو غال وحديث، على العكس منا، فنحن نعيش تحت ضغط موارد محدودة، ومع ذلك فان أمي لا تبالي بهذا الفرق، وتسعى دائما لوضع رأسها برأس أم رامي كما يقول المثل”. ويقول الدكتور محمد عبد الحسن الاستاذ في علم الاجتماع ان: “المجتمع العراقي ينتمي الى منظومة اجتماعية تسودها ثقافة التغالب، وثقافة التغالب تعني من بين معانيها «اني انا الاول والاخرون يأتون من بعدي»  وهذا الامر يمكن ملاحظته في العديد من السلوكيات والافعال التي تسود الساحة الاجتماعية، فعلى صعيد المناسبات الاجتماعية السعيدة والحزينة، تجد ان المنافسة على اشدها وكل واحد يريد ان يضيف شيئا، يشكل علامة فارقة تحسب له وتنسب اليه، وليس المهم كم سيخسر هذا الفرد وكم التعب او الشقاء الذي سيناله ولكن المهم ان يكون له حظ ونصيب من التفرد والريادة وكان شعارهم في الحياة الاجتماعية «زود الدنيا علومها» فهو دائم التفكير بما يمكن ان  يقال عنه من الاخبار الجيدة وما ينسب له من فعال حميدة”.
وتختتم زينة حديثها وهي تلقي الضوء على تداعيات المشكلة فتقول:
“ان حب المظاهر يدفع النساء الى الكذب وخاصة في ما يخص مهنة الزوج وامتلاكه الاموال، وايضا هناك بعض النساء تصدق كذبتها وترهق زوجها بكثرة الطلبات دون مراعاة لظروفه وأوضاعه المادية فيضطر الى اخذ الاموال وبالتالي يغرق في بئر من الديون لا قرار لها وهذا ما يزيد ثقلا على كاهله، واما الزوجة فتقف موقف المتفرج لتنفيذ رغباتها وإذا ما رفض الزوج تلبية طلباتها تبدأ سلسلة من المشاجرات التي تعكر صفو العلاقة الزوجية وتنقلب الى حرب ليس فيها هوادة الى ان يستجيب الزوج لطلباتها ويرضي غرورها وما يصب بمصلحة حبها للتفاخر والمظاهر الخداعة”.
وتقول الدكتورة اشواق عبدالحسن عبد – الاستاذة في علم الاجتماع/ فلسفة التشريعات الاجتماعية- : ان “النساء وبحكم ميولهن الطبيعية الانثوية، فضلاً عن التربية والتنشئة الاجتماعية، صرن اكثر حماساً لاظهار نزعة التميز والتفرد، ومحاولة ايصال رسائل التفوق على الاقران،الا ان هذه الظاهرة لها ابعاد سلبية كثيرة منها غياب او فقدان لمدخرات التي تفتخر بها كل اسرة في العالم الا في المجتمع العراقي، الذي يعتمد فلسفة (شبعني اليوم وموتني باجر)، ترك الاساسيات المهمة في الحياة والجري خلف القشور، ما قد يضيع على الاسرة والمجتمع فرصا في التطور والرقي في شتى المجالات، اضحى التنافس يأخذ مديات مرضية غير مقبولة، ما يستدعي خلق وعي مجتمعي جديد لمكافحة هذه الظاهرة، وقد يصل التنافس فيما بين النساء باتجاه ايجاد الاحسن واقتناء الافضل الى مشاكل اسرية قد تنتهي بالطلاق ويؤدي الى زيادة ظاهرة ادمان التسوق، في ظل غياب المؤسسات المختصة بمعالجة هذه الظواهر السلبية.

مقالات ذات صله